جارٍ تحميل التاريخ...

تجليات الحياة الطيبة في ظلال السيرة النبوية – مشهد غزوة الأحزاب-2- ذ. المصطفى زمهنى

النسخة المكتوبة

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.

وبعد، فتعد غزوة الأحزاب من أهم الوقائع التي عرفها تاريخ الإسلام، لما ميز سياق وقوعها، وما حدث فيها من أحداث، خليق بالمسلمين أن يتأملوها لاستخلاص دروسها ومستفادات منها.

قال ابن هشام: “فحدثني يزيد بن رومان مولى آل الزبير بن عروة بن الزبير، ومن لا أتهم عن عبد الله بن كعب بن مالك، ومحمد بن كعب القرظي، والزهري، وعاصم بن عمر بن قتادة، وعبد الله بن أبي بكر، وغيرهم من علمائنا، كلهم قد اجتمع حديثه في الحديث عن الخندق، وبعضهم يحدث ما لا يحدث به بعض قالوا: إنه كان من حديث الخندق أن نفرا من اليهود، منهم سلام بن أبي الحقيق النضري، وحيي بن أخطب النضري، وكنانة بن أبي الحقيق النضري، وهوذة بن قيس الوائلي، وأبو عمار الوائلي، في نفر من بني النضير، ونفر من بني وائل، وهم الذين حزبوا الأحزاب على رسول الله ﷺ، خرجوا حتى قدموا على قريش مكة، فدعوهم إلى حرب رسول الله ﷺ وقالوا: إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله، فقالت لهم قريش: يا معشر يهود إنكم أهل الكتاب الأول والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد أفديننا خير أم دينه؟ قالوا: بل دينكم خير من دينه، وأنتم أولى بالحق، فهم الذين أنزل الله تعالى فيهم: {اَلَمْ تَرَ إِلَى اَ۬لذِينَ أُوتُواْ نَصِيباٗ مِّنَ اَ۬لْكِتَٰبِ يُومِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّٰغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلذِينَ كَفَرُواْ هَٰٓؤُلَآءِ اَ۬هْد۪ىٰ مِنَ اَ۬لذِينَ ءَامَنُواْ سَبِيلاًۖ ا۟وْلَٰٓئِكَ اَ۬لذِينَ لَعَنَهُمُ اُ۬للَّهُۖ وَمَنْ يَّلْعَنِ اِ۬للَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ نَصِيراًۖ} إلى قوله تعالى: {اَمْ يَحْسُدُونَ اَ۬لنَّاسَ عَلَىٰ مَآ ءَات۪يٰهُمُ اُ۬للَّهُ مِن فَضْلِهِۦۖ فَقَدَ اٰتَيْنَآ ءَالَ إِبْرَٰهِيمَ اَ۬لْكِتَٰبَ وَالْحِكْمَةَ وَءَاتَيْنَٰهُم مُّلْكاً عَظِيماٗۖ فَمِنْهُم مَّنَ اٰمَنَ بِهِۦ وَمِنْهُم مَّن صَدَّ عَنْهُۖ وَكَف۪ىٰ بِجَهَنَّمَ سَعِيراً [النساء: من الآية: 50 إلى الآية: 54][1].

وأضاف ابن هشام قائلا: “فلما قالوا ذلك لقريش سرهم ما قالوا ونشطوا لما دعوهم إليه من حرب رسول الله، فأجمعوا لذلك، ثم خرج أولئك النفر من اليهود حتى جاؤوا غطفان من قيس غيلان، فدعوهم إلى ذلك وأخبروهم أنهم سيكونون معهم عليه، وأن قريشا قد بايعوهم على ذلك، فأجابوهم“.[2]

وهكذا تحزبت الأحزاب لمواجهة الرسول ﷺ والسعي لاستئصال مشروعه، فلما بلغ ذلك النبي ﷺ ضرب الخندق على المدينة، وشاركه في ذلك الصحابة الكرام الذين أبلوا البلاء الحسن، وقدموا صورا رائعة في طاعة الله ورسوله، وخدمة الدين والذود عن الوطن، وفيهم نزل قوله تعالى: {إِنَّمَا اَ۬لْمُومِنُونَ اَ۬لذِينَ ءَامَنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَإِذَا كَانُواْ مَعَهُۥ عَلَىٰٓ أَمْرٖ جَامِعٖ لَّمْ يَذْهَبُواْ حَتَّىٰ يَسْتَٰذِنُوهُۖ إِنَّ اَ۬لذِينَ يَسْتَٰذِنُونَكَ أُوْلَٰٓئِكَ اَ۬لذِينَ يُومِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِۦۖ فَإِذَا اَ۪سْتَٰذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَاذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اُ۬للَّهَۖ إِنَّ اَ۬للَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞۖ} [النور: 60].

إن في هذه الغزوة المباركة دروسا عظيمة، ومستفادات كثيرة، نقتصر في هذه الحصة على مستفادين اثنين، وهما: الحكمة ضالة المومن، والنصر مشروط بنصر الله.

المستفاد الأول: الحكمة ضالة المؤمن.

إن من أهم التدابير الحكيمة والخطط السديدة التي اعتمدها الرسول الكريم في مواجهة أعدائه الذين تكالبوا عليه ظلما وعدوانا من كل حدب وصوب، استخدامه لمسلك من مسالك الفرس في الحروب، وهو الخندق، حماية للمدينة وأهلها من أن تقتحم وتنتهك حرمتها.

وقد كان لسلمان الفارسي رضي الله عنه الفضل الكبير في هذه الخطة، فهو صاحب الاقتراح على الرسول ﷺ، لأن العرب لم تكن تعرف هذا النوع من الدفاع في الحروب، ولذلك قال ﷺ في سياق الانتفاع من حكمة الغير: “الكلمة الحكمة ضالة المومن، فحيث وجدها فهو أحق بها”.[3]

قال بدر الدين العيني: “الكلمة الحكمة ضالة المؤمن”[4]، وفي رواية: “ضالة كل حكيم”[5]، أي لا يزال يتطلبها كما يتطلب الرجل ضالته”.[6]

والحكمة المقصودة هاهنا هي كل ما هو صالح نافع مما لا يخالف الشريعة الإسلامية ولا يجافيها.

والقارئ لتاريخ الإسلام يجد نماذج عديدة من انفتاح المسلمين على غيرهم والاستفادة من تجاربهم، كما استفاد غيرهم منهم في مجالات متنوعة، ويمكن التمثيل لذلك بعهد عمر الذي أدخل الدواوين…

وهذا يعني أن أمة الإسلام تعتمد الاجتهاد في عملها للتطوير والارتقاء، سواء تعلق الأمر بإنشاء الجديد المفيد، أو تنقية القديم العتيد، أو استصلاح الوارد الوافد، بما يجعله متناغما مع الأصول والكليات، ومتناغما مع الحوادث والمستجدات.   

المستفاد الثاني: النصر مشروط بنصر الله.

يظهر من مجريات أحداث غزوة الخندق أن الله تعالى جعل لعباده قاعدة مطردة، إن أحسنوا توظيفها في فك مغاليق المعادلات، وفهم حلول الأزمات، تحقق لهم نوال النصر والتمكـــــين، كما قال رب العزة سبحانه وتعــــالى: {وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ اُ۬لْمُومِنِينَۖ} [الروم: 46]، وهذا ما تجلى في هذه الغزوة، إذ أن المؤمنين صبروا وصابروا ورابطوا، وصدقوا الرسول الكريم في نصرة الحق وإعلاء رايته، فكانت النتيجة أن نصرهم الله عز وجل نصرا عزيزا مؤزرا، بأن مدهم بجنود تعزز صفهم، وتقوي شوكتهم، وأرسل على عدوهم ريحا تربكهم، وتفسد عليهم خطتهم.

قال تعالى: {يَٰٓأَيُّهَا اَ۬لذِينَ ءَامَنُواْ اُ۟ذْكُرُواْ نِعْمَةَ اَ۬للَّهِ عَلَيْكُمُۥٓ إِذْ جَآءَتْكُمْ جُنُودٞ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاٗ وَجُنُوداٗ لَّمْ تَرَوْهَاۖ وَكَانَ اَ۬للَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً} [الأحزاب: 9].

قال الرازي في بيان معنى الآية: “إشارة إلى ما فعل الله بهم من إرسال ريح باردة عليهم في ليلة شاتية، وإرسال الملائكة، وقذف الرعب في قلوبهم، حتى كان البعض يلتزق بالبعض من خوف الخيل في جوف الليل، والحكاية مشهورة. وقوله: وكان الله بما تعملون بصيرا، إشارة إلى أن الله علم التجاءكم إليه، ورجاءكم فضله، فنصركم على الأعداء عند الاستعداء. وهذا تقرير لوجوب الخوف، وعدم جواز الخوف من غير الله، فإن قوله: فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها، أي الله يقضي حاجتكم، وأنتم لا ترون، فإن كان لا يظهر لكم وجه الأمن، فلا تلتفتوا إلى عدم ظهوره لكم، لأنكم لا ترون الأشياء، فلا تخافون غير الله، والله بصير بما تعملون. فلا تقولوا بأنا نفعل شيئا، وهو لا يبصره، فإنه بكل شيء بصير”[7].

وهكذا يتضح أن المسلمين متى استجابوا لربهم، واستنوا بهدي نبيهم الكريم، رفع الله عز وجل شأنهم، وأعلى قدرهم، وكتب لهم ما يرجونه في دنياهم وأخراهم، وذلك من قبيل:

الدفاع عنهم: {إِنَّ اَ۬للَّهَ يُدَٰفِعُ عَنِ اِ۬لذِينَ ءَامَنُوٓاْۖ} [الحج: 36].

العزة: {وَلِلهِ اِ۬لْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِۦ وَلِلْمُومِنِينَۖ} [المنافقون: 8].

الولاية بما تعنيه من محبة ونصرة: {اِ۬للَّهُ وَلِيُّ اُ۬لذِينَ ءَامَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ اَ۬لظُّلُمَٰتِ إِلَى اَ۬لنُّورِۖ} [البقرة: 256].

الاستخلاف والتمكين: {وَعَدَ اَ۬للَّهُ اُ۬لذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمْ وَعَمِلُواْ اُ۬لصَّٰلِحَٰتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِے اِ۬لَارْضِ كَمَا اَ۪سْتَخْلَفَ اَ۬لذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ اُ۬لذِے اِ۪رْتَض۪ىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنۢ بَعْدِ خَوْفِهِمُۥٓ أَمْناٗۖ يَعْبُدُونَنِے لَا يُشْرِكُونَ بِے شَئْاٗۖ} [النور: 53].

إن المطلوب من المبلغين أن يضمنوا خطاباهم الإشارات المذكورة حفزا للناس على فهم دين ربهم في ضوء السيرة العطرة على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى السلام، ليرتقوا في مقام التوكل معتمدين على العلي القدير في استمداد المدد والعون، والأخذ بالأسباب المادية المتاحة لهم.

نسأل الله سبحانه عز وجل أن يوفقنا للتي هي أقوم، وأن يكتب لنا العون والرشاد، والتوفيق والسداد، آمين. والحمد لله رب العالمين.

 



[1] _ سيرة ابن هشام 2/ 214 _  215، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر، الطبعة الثانية 1375هـ – 1955م.

[2] _ سيرة ابن هشام 2/ 215.

[3] _ سنن الترمذي، كتاب العلم عن رسول الله ﷺ، باب فضل الفقه على العبادة، وسنن ابن ماجه، كتاب الزهد، باب الحكمة.

[4] _ جامع الترمذي، كتاب العلم عن رسول الله ﷺ، باب ما جاء في فضل الفقة على العبادة.

[5] _ مسند الشهاب للقضاعي.

[6] _ نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار 16/ 386، منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية – قطر، الطبعة الأولى 1429 هـ – 2008 م.

 

[7] _ التفسير الكبير 25/ 160، دار إحياء التراث العربي – بيروت، الطبعة الثالثة 1420 هـ.

 

شاهد أيضا

تصنيفات

At vero eos et accusamus et iusto odio digni goikussimos ducimus qui to bonfo blanditiis praese. Ntium voluum deleniti atque.

Melbourne, Australia
(Sat - Thursday)
(10am - 05 pm)