النسخة المكتوبة
الحمد لله رب العالمين
والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فقد سبق الحديث أن أقسام
الحكم الوضعي سبعة وهي: السبب والشرط والمانع والصحة والفساد والعزيمة والرخصة وتم
الحديث عن القسم الأول وهو السبب وفي هذه الحلقة سأواصل الحديث عن الأقسام
الباقية.
2-الشرط:
من
معاني الشرط في اللغة إلزام الشيء والتزامه وفي اصطلاح أهل الأصول: هو الوصف
الظاهر المنضبط الذي يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم.
وقد سبق
معنى الوصف الظاهر المنضبط في شرح تعريف السبب والمراد في التعريف” يلزم من
عدمه العدم” أن الشرط إذا انعدم انعدم معه المشروط. وذلك مثل انعدام الطهارة
التي هي شرط لصحة الصلاة، فاذا انعدمت الطهارة التي هي شرط لصحة الصلاة انعدم
المشروط وهو صحة الصلاة. وكذلك انعدام دوران الحول الذي هو شرط في الزكاة المالية
فقد يتوفر النصاب الذي هو سبب لوجوب الزكاة لكن إذا انعدم الشرط الذي هو الحول أي
لم يكتمل الحول لم تجب الزكاة. وهذا القيد في التعريف وهو “ما يلزم من عدمه
العدم” يستوي فيه الشرط والسبب فكل منهما إذا انعدم انعدم معه الحكم، فاذا
انعدم الشرط انعدم المشروط وإذا انعدم السبب انعدم المسبب.
أما
القيد الأخير في التعريف وهو” ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم” فمعناه
أن وجود الشرط لا يستلزم وجود المشروط. فقد يوجد الشرط ولا يجب المشروط. وذلك مثل
الطهارة التي هي شرط لصحة الصلاة فقد توجد الطهارة ولا تجب الصلاة وذلك إذا تطهر
الإنسان قبل دخول الوقت، وبهذا القيد الذي هو “لا يلزم بوجوده وجود ولا
عدم” يخرج السبب ويخرج المانع أيضا لأن وجود السبب يستلزم وجوب المسبب كما
سبق ووجود المانع يستلزم انتفاء الحكم.
ومن
أمثلة الشرط الطهارة لصحة الصلاة، والقدرة على تسليم المبيع لصحة البيع، والرشد
لدفع مال اليتيم إليه، ودوران الحول لوجوب الزكاة.
الفرق
بين الشرط والركن:
كل من
الشرط والركن يتوقف عليهما وجود الشيء، والفرق بينهما أن الركن ما يتوقف عليه
الشيء وكان جزءا من ماهيته أي من ذاته وذلك مثل الركوع في الصلاة والصيغة في
العقود، فالركوع جزء من ذات الصلاة وكذلك الصيغة جزء من العقد، أما الشرط فهو ما
يتوقف عليه الشيء أي المشروط ولكنه خارج عن ذات المشروط وليس جزءا منه، وذلك مثل
الطهارة فهي شرط في الصلاة وليست ركنا فيها لأنها ليست جزءا من الصلاة بل هي
مستقله عنها.
أقسام
الشرط: ينقسم الشرط باعتبار
مصدره الى قسمين رئيسين:
1-الشرط
الشرعي: وهو الذي تم اشتراطه من قبل الشارع مثل اشتراط الطهارة لصحه الصلاة،
والحول لوجوب الزكاة، والرشد لإعطاء مال اليتيم إليه، وتحقق موت الموروث لاستحقاق
الإرث، وقدرة البائع على تسليم المبيع ليصح البيع…
والشروط
الشرعية منها ما يعتبر شرط وجوب؛ وهو ما يكون به الإنسان مكلفا لكنه لا
يطالب بتحصيله، وذلك مثل البلوغ والعقل والنقاء من دم الحيض والنفاس التي هي شروط
لوجوب الصلاة، ودوران الحول الذي جعله الشارع شرطا لوجوب الزكاة، والاستطاعة التي
هي شرط لوجوب الحج. فهذه الشروط وما يشبهها لا يطالب المكلف بتحصيلها لكنها إذا
وجدت ووجدت معها الأسباب وانتفت الموانع وجب عليه فعل ما يترتب عليها.
ومنها
ما يعد شرط صحة؛ وهو ما جعله الشرع شرطا لصحة فعل معين، وذلك مثل الطهارة
واستقبال القبلة لصحة الصلاة، وقدرة البائع على تسليم المبيع لصحه البيع…
2-الشرط
الجعلي: وهو ما يشترطه الإنسان باختياره مثل اشتراط البائع تكلفة نقل المبيع
على المشتري أو يشترط ذلك المشتري على البائع، أو يشترط بائع المنزل مثلا أن يبقى
ساكنا فيه مدة معينة بأجرة أو بدونها قبل أن يسلمه للمشتري، أو تشترط الزوجة على
زوجها في العقد أن تبقى ساكنة في بلدتها وأن لا تنتقل إلى غيرها إلا لضرورة أو
حاجة.
غير أن
هذه الشروط الجعلية يشترط في صحتها أن لا تعارض مقتضى من مقتضيات العقد، فلا يجوز
مثلا ان يشترط البائع على المشتري ألا يبيع الشيء الذي اشتراه منه أو يشترط عليه
ما يقيد تصرفه فيه أو يشترط عليه أن يسلفه مبلغا من المال من أجل إبرام عقد البيع.
3-المانع:
المانع
لغة هو الحائل بين شيئين، وفي اصطلاح علماء الأصول: “هو ما يلزم من وجوده
العدم ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم” وقيل في تعريفه أيضا:” ما يلزم من
وجوده عدم الحكم أو بطلان السبب”، ومعنى ما يلزم من وجوده العدم أن المانع
إذا وجد انتفى الحكم عكس السبب الذي إذا وُجد وُجد معه الحكم، ومعنى:” ولا
يلزم من عدمه وجود ولا عدم”، أن انعدام المانع لا يترتب عليه حكم ولا ينتفي،
وهذا بخلاف السبب أيضا لأن السبب إذا انعدم انعدم معه الحكم، وبخلاف الشرط أيضا
لأن الشرط إذا انعدم انعدم معه المشروط.
ومن
أمثله المانع: القتل العمد العدوان الذي يمنع الميراث، وكذلك اللعان، والشك في
المتقدم والمتأخر في الوفاة، وعدم استهلال المولود، والزنا. فهذه كلها موانع تمنع
الميراث.
أقسام
المانع؛ يقسم المانع الى قسمين:
1-مانع
للحكم: وهو الذي يترتب على وجوده
عدم ترتيب الحكم على سببه، وذلك مثل وجود الشبهة المانعة من إقامة الحد، والقتل
العمد العدوان المانع من الميراث، ودم الحيض والنفاس المانع من وجوب الصلاة.
2-مانع
للسبب: وهو ما يلزم من وجوده
عدم تحقق السبب، وذلك مثل الدين الموجود في ذمة من تجب عليه الزكاة فإنه مانع من
وجوب الزكاة لكونه مانعا من تحقق السبب الذي هو امتلاك النصاب، وذلك عند من يرى من
الفقهاء أن الدين مانع لوجوب الزكاة.
4-5 الصحة والفساد
أو البطلان.
1- الصحة
لغة: ضد السقم واصطلاحا هي وقوع الفعل موافقا لأمر الشرع.
والفعل الصحيح شرعا هو الذي استوفى أركانه
وشروطه الشرعية وتترتب عليه آثاره الشرعية، والآثار في مجال المعاملات هي ما شرعت
لأجله، ففي البيع مثلا يظهر أثره في نقل الملكية؛ ملكية الثمن للبائع وملكية
المبيع للمشتري، وفي الإجارات يظهر آثرها في استحقاق المنفعة للمستأجر والأجرة
للمؤجر. أما أثر الفعل الصحيح في العبادات فيظهر في إبراء الذمة وسقوط القضاء على
المكلف.
فالصحيح إذن هو ما صدر من أفعال المكلف مستوفيا
شروطه وأركانه وترتبت عليه آثاره الشرعية.
وإذا
اختل ركن من أركانه أو شرط من شروطه اعتبر غير صحيح ولا تترتب عليه آثاره الشرعية.
2- الفساد أو البطلان:
الفساد أو البطلان ووقوع
الفعل غير صحيح شرعا وغير الصحيح يسمى فاسدا ويسمى باطلا وهما سواء عند جمهور
الأصوليين سواء كان الفعل غير الصحيح في مجال العبادات أو في المعاملات. فالصلاة
الباطلة كالصلاة الفاسدة لا تبرئ الذمة ولا تسقط الواجب، والبيع الفاسد مثل البيع
الباطل لا يترتب عليه أثره من نقل ملكية الثمن للبائع وملكية المبيع للمشتري فلا
فرق بين وصف الفعل غير الصحيح بالباطل أو الفاسد عند الجمهور.
وذهب الحنفية إلى أن
الفعل غير الصحيح في العبادات يسمى باطلا ويسمى فاسدا مثل قول الجمهور، لكن في
مجال المعاملات يفرقون بين الفعل الباطل والفعل الفاسد، فالباطل عندهم في مجال
المعاملات هو الذي يقع الخلل فيه في ركن من أركانه كأن يقع الخلل في العاقدين أو
المعقود عليه أو الصيغة. كأن يكون أحد العاقدين صغيرا أو فاقدا للعقل، أو يكون
المعقود عليه معدوما فالعقد في هذه الحالة يسمى باطلا ولا تترتب عليه آثاره
الشرعية.
أما الفاسد فهو الذي يقع
الخلل فيه في شرط من شروطه الخارجة عن ماهيته بمعنى أنه مشروع في أصله لكن الخلل
وقع فيه لوصف عارض مثل اقترانه بشرط فاسد، فالبيع الصادر عن فاقد العقد أو الطفل
قبل سن التمييز باطل لا تترتب عليه آثاره الشرعية، والبيع الواقع بثمن غير معلوم
أو المقترن بشرط فاسد مثل اقتران البيع بشرط السلف فهو فاسد وليس باطلاً.
والفاسد
عندهم تترتب عليه بعض آثاره الشرعية وقد ترتب عليه كل آثاره الشرعية، فالبيع
الفاسد بسبب الجهل في الثمن إذا تم تحديد الثمن وحصل القبض فورا ترتب عليه أثره
وهو نقل الملكية، والزواج بذات محرم باطل لا تترتب عليه آثار العقد، أما الزواج
بغير شهود فهو فاسد تترتب عليه بعض آثار العقد الصحيح، فإذا وقع الدخول في الزواج
الفاسد وجب فيه المهر والعدة وثبوت النسب.
هذا
باختصار ما يتعلق بهذه الأقسام الأربعة من الحكم الوضعي والتي هي الشرط والمانع
والصحة والفساد وسأتابع في الحلقة المقبلة إن شاء الله تعالى الحديث عن بقية
الأقسام إلى ذلكم الحين أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.




