بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه
خطبة ليوم 24 شعبان 1447 هـ الموافق لـ 13 فبراير 2026م
«هَدْيُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي اسْتِقْبَالِ شَهْرِ رَمَضَانَ»
الحمد لله الذي جعل الصيام جُنَّةً، ومهَّده سبيلا موصلا إلى الجَنَّةِ، نحمده تعالى على نعمة الصيام والقيام، سياحة المتقين، ودأب الصالحين، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن سيدنا محمدا عبد الله ورسوله، وصفيّه من خلقه وخليله، أفضل من صام النهار وقام الليل، صلى الله وسلم عليه ما حَنَّتِ النفوس لاستقبال شهر المبرات، وتسامت عن الملذات والشهوات، واشتاقت الأرواح إلى رياض الذكر والصلوات، ورُفعت الأكف إلى رب الأرض والسماوات، وعلى آله الطيبين الخيرة، وصحابته الميامين البررة، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد؛ معاشر المؤمنين والمؤمنات، فإن من هدي النبي صلى الله عليه وسلم في استقبال شهر رمضان، فقد كان يُبشر أصحابه بقدومهِ فيقول:
«قَدْ جَاءَكُمْ رَمَضَانُ، شَهْرٌ مُبَارَكٌ افْتَرَضَ اللهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ، تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَتُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ، وَتُغَلُّ فِيهِ الشَّيَاطِينُ، فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا فَقَدْ حُرِمَ»[1].
عباد الله؛ في هذا الحديث وأمثاله يُبشر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بقدوم شهر الصيام، تحفيزا لهم وإعدادا لهم لاستقباله بما يليق به من التقوى والإخلاص، والصبر والإيثار والعطاء؛ وذلك ما يدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: «شَهْرٌ مُبَارَكٌ» أي ذو بركة وخير كثير، فما على المسلم إلا أن يغتنمه صياما وقياما وإنفاقا وإحسانا في النيات والقول والفعل والعمل.
كما ينبه صلى الله عليه وسلم على أن من بركات هذا الشهر أنه تُفتح فيه أبواب الجنان، التي هي العبادة الخالصة من صلاة وصيام وذكر وتلاوة القرآن، والعمل الصالح، مع الإتقان فيه، وأدائه كما يجب، وعدم التهاون أو التفريطِ في المسؤولياتِ المنوطةِ بالمسلمِ، ويكون ذلك كله مبنيا على حسن الظن بالحق، وحسن معاملة الخلق.
وقوله صلى الله عليه وسلم: « وَتُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ» أي تغلق فيه أسبابها من المنكرات التي يتجنبها النَّاس في رمضان، وذلك من بركاته وخيرَاتِهِ، إذ يُحسُّ الجميع بحُرمة الزمان والمكان والحال، وتدوم اليقظة في قلوب العباد، وتستنير بنور الصيام، فتُغلَق الأبواب على الشياطين؛ إذ منفذُ الشيطان إلى الإنسان الغفلة والشهوات، فإن دامت اليقظة ومُنعَ الإنسان من شهواته، سُدَّتِ على الشياطين أبوابها.
ولذلك كان الصيام جُنَّة أي وقاية، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:
«قَدْ جَاءَكُمْ رَمَضَانُ، شَهْرٌ مُبَارَكٌ افْتَرَضَ اللهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ، تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَتُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ، وَتُغَلُّ فِيهِ الشَّيَاطِينُ، فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا فَقَدْ حُرِمَ»[2].
عباد الله؛ في هذا الحديث من فضائل شهر رمضان الشيء الكثير من النصائح النبوية الغالية الجميلة، والفوائد الجليلة العظيمة.
وخلاصة ذلك أن الغاية من الصيام هي صون الجوارح من المعاصي لاكتساب ملكة التقوى، التي هي ثمرة الصيام الجامعة.
كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في إيجاز بليغ:
«اَلصِّيَامُ جُنَّةٌ»
أي وقاية من المعاصي في الدنيا، ووقاية من النار في الآخرة.
وكما قال الحق جل وعلا:
﴿يَا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾[3].
نفعني الله وإياكم بقرآنه المبين، وبحديث سيد الأولين والآخرين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
الخطبة الثانية
الحمد لله حمدا يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، والصلاة والسلام على نبيه ورسوله المخصوص بصادق حجته وقاطع بُرهانهِ، سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وسائر المتمسكينَ بهديه في سره وإعلانه.
معاشر المؤمنين والمؤمنات؛ إن مما ينبغي الحرصُ عليه والتواصي بهِ، ونحن في عام السيرة النبوية المباركة العطرة، أن نربطهَا بحياتنا اليوميةِ؛ لنَسعد بها ونُسعد غيرنا، ونعيشَ بها حياة طيبةً، ومن ذلك أن نتساءل كيف كان هدي النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام في شهر رمضان؟ وكيف كانوا يستعدون له؟ هل كان رمضان عندهم موسما للتنافس في اقتناء كل الملذات والشهوات، أم كان موسما للغلاء واحتكار السلع في الأسواق؟
وهل من هدي السلف الإسراف والتبذيرُ في شهرٍ الأَوْلَى بِهِ أن يكون شهر اقتصاد في المأكل والمشرب، وهل كانوا يسهرون الليل وينامون بالنهار بحجة أنهم صائمون؟ أم كان شهر رمضان عندهم هو شهر العمل بامتياز، فيه شَهِدُوا مشاهد كثيرة لها تاريخ؛ كوقعة بدر الكبرى التي خلدها القرآن، وفتحِ مكة الذي كان فتْحَ الفتوح.
إن السلف الصالح من هذه الأمة كانوا يفرحون بقدوم شهر رمضان ويستبشرون به خيرا، ويتفاءلون بقدومه، ستة أشهر قبلهُ، ويطلبون من الله تعالى القَبُولَ ستة أشهر بعده، فكانوا يعيشون مع رمضان في قلوبهم على مدار العام.
يقول الإمام مالك رحمه الله: «لَنْ يَصْلُحَ آخِرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ إِلَّا بِمَا صَلَحَ بِهِ أَوَّلُهَا». وكان رحمه الله، إذا دخل رمضان أقبل على المصحف، يتلو كتاب الله تعالى اتباعا لهدي النبي صلى الله عليه وسلم، الذي كان يقرأ القرآن في كل رمضان ويعارضه على جبريل عليه السلام؛ لأن شهر رمضان هو شهر القرآن، أنزله الله عز وجل فيه، وسن فيه تلاوته وتدبره والعمل به.
يقول عبد الله بن عباس رضي الله عنهما:
«كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَجْوَدَ النَّاسِ بِالْخَيْرِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَلْقَاهُ كُلَّ لَيْلَةٍ فِي رَمَضَانَ، حَتَّى يَنْسَلِخَ، يَعْرِضُ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقُرْآنَ، فَإِذَا لَقِيَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، كَانَ أَجْوَدَ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ»[4].
تلكم، عباد الله؛ بعض الومضات من الهدي النبوي في استقبال شهر رمضان، نسأل الله تعالى أن يدخله علينا وعلى مولانا أمير المؤمنين مولانا محمد السادس، وسائر أفراد أسرته جميعا باليمن والخير والبركات، وأن يمتعنا بالصحة والعافية حتى نصومه ونقومه، ونستفيد من غاياته التي شرع من أجلها. آمين.
هذا؛ وأكثروا من الصلاة والتسليم على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فاللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد الخاتم، كما صليت وسلمت وباركت على سيدنا إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد.
وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين المهديين؛ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر الصحابة من المهاجرين والأنصار، وعنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين يا رب العالمين.
وانصر اللهم من وليته أمر عبادك، مولانا أمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمدا السادس، نصرا تعز به الدين وترفع به راية المسلمين إلى يوم الدين.
اللهم بارك له في الصحة والعافية، وأقر عين جلالته بولي عهده المحبوب صاحب السمو الملكي، الأمير الجليل مولاي الحسن، مشدود الأزر بصنوه السعيد، الأمير الجليل مولاي رشيد، وبباقي أفراد الأسرة الملكية الشريفة.
وارحم اللهم برحمتك الواسعة الملكين الجليلين، مولانا محمدا الخامس، ومولانا الحسن الثاني، اللهم طيب ثراهما، وأكرم مثواهما، واجزهما خير ما جزيت محسنا عن إحسانه.
اللهم بلغنا رمضان، وارزقنا من بركاته ومبراته وخيراته، وأمتِعنا فيه جسدا وروحا وعقلا بالقرب منك، واجعلنا من الشاكرين لنعمك، اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.
اللهم اغفر لنا ولوالدينا ولسائر موتانا وموتى المسلمين، وللمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات.
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
- [1] . مسند أحمد 14/541.
- [2] . مسند أحمد 14/541.
- [3] . البقرة 182.
- [4] . صحيح البخاري، كتاب الصيام، باب أجود ما كان رسول الله ﷺ يكون في رمضان 3/26.




