جارٍ تحميل التاريخ...

خطبة الجمعة :”مَنْهَجُ النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَدَاءِ أَمَانَةِ التَّزْكِيَةِ” ليوم 17 شعبان 1447 هـ الموافق ل 06 فبراير 2026 م

بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه

خطبة ليوم 17 شعبان 1447 هـ الموافق لـ 06 فبراير 2026م

«خُطْبَةٌ فِي السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ العَطِرَةِ(02)»

«مَنْهَجُ النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَدَاءِ أَمَانَةِ التَّزْكِيَةِ»

الخطبة الأولى

الحمد لله اللطيف الخبير، العليم بما تُخفي الصدور، نحمده تعالى ونشكره، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، ونشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، لا رب لنا سواه، هو الذي في السماء إله وفي الأرض إله، ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله ومصطفاه، وعلى آله الطيبين وصحابته الأكرمين وكل من والاه واتبع هداه، صلاة وسلاما تامين متجددين ما تجدد النداء للصلاة.

أما بعد؛ إخوة الإيمان، فيقول الله تعالى:

﴿لَقَدْ مَنَّ اَ۬للَّهُ عَلَي اَ۬لْـمُومِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاٗ مِّنَ اَنفُسِهِمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمُۥٓ ءَايَٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ ا۬لْكِتَٰبَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِے ضَلَٰلٍ مُّبِينٍ[1].

عباد الله؛ الأمانة الثانية من أمانات الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، هي أمانة التزكية الواردة في الآية الكريمة بعد أمانة التلاوة، وقبل أمانة التعليم، وذلك تمهيدا لتنقية القلوب من الشوائب العالقة بها، من أجل استعدادها لتلقي العلم، والعمل به بعد ذلك.

والآية الكريمة جاءت في سياق الحديث عن غزوة أحد، وما لحق المسلمين فيها من الهزيمة التي أثرت في نفوسهم كثيرا، فأعاد القرآن الكريم الحديث عما ينبغي أن يكونوا عليه من التفويض والتسليم والأخذ بالأسباب، وعدم مخالفة الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، في تدبيره لشؤون المسلمين، كما قال سبحانه في السياق نفسه:

﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ ا۬للَّهُ وَعْدَهُۥٓ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِۦ حَتَّىٰٓ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَٰزَعْتُمْ فِے اِ۬لَامْرِ وَعَصَيْتُم مِّنۢ بَعْدِ مَآ أَر۪يٰكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّنْ يُّرِيدُ ا۬لدُّنْي۪ا وَمِنكُم مَّنْ يُّرِيدُ ا۬لَاخِرَةَ[2].

ولم يشفع لمخالفتهم وجود النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بين أظهرهم؛ لأن سنن الله تعالى لا تحابي أحدا.

وهكذا أدَّب القرآن الكريم الصحابة مع ما لتصرفهم من تأويل، إذ القضايا الكبرى للأمة لا تقبل الخلاف، وتُقدم على المصالح الخاصة بالإجماع. ثم عاد لتزكيتهم من جديد، وتذكيرهم بما مَنَّ الله تعالى عليهم ببعثة الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، الذي صُنعوا على يديه الشريفتين، بقوله وفعله وتقريره، وجميل شمائله، وعظيم خصائصه، وكريم أخلاقه، وسمو مبناه ومعناه، وشريف مَقصَده ومغزاه، على ما كان عليه من تواضع جم، وصفح وعفو تام.

فرباهم بخُلُقِه قبل فعله، فكانوا لا يرفعون أبصارهم إليه r إجلالاً وتعظيماً له، وإذا جلسوا في مجلسه كانوا كأن على رؤوسهم الطير، ولا يتكلمون في حضرته إلا هَمْسا.

ورباهم بمحبته قبل قوله، فكان يُكِنُّ لهم المحبة الصادقة ويعلنها لهم، ويقول لأحدهم: «يَا فُلَانُ وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ». فكان لهذه الكلمة في تزكيتهم بالغُ الأثر.

ورباهم بالتنويه قبل التنبيه، فيذكر محاسنهم قبل الحديث عن العيب الذي ينبغي إصلاحه، كما قال لعبد الله بن عمر رضي الله عنهما: «نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللَّهِ، لَوْ كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ» فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَنَامُ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا [3].

ورباهم بالمتابعة والمصاحبة والمناصحة، كما فعل مع عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، وقد كان رديفَه يوما فقال:

«يَا غُلَامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ، اِحْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، اِحْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ، إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوِ اجْتَمَعُواْ عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ، إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ»[4].

وهكذا معاشرَ المؤمنين والمؤمنات، كانت رفقةُ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كلُّها تعليما وتزكية، علَّم ابنَ عباس في هذه الكلمات معاني التوحيد، ولم يترك فرصة سانحة إلا واستغلها تخليةً وتحلية، وسَما بأصحابه رضي الله عنهم في سماء مكارم الأخلاق، فكانوا كما قال ابن مسعود رضي الله عنه:

«أُولَئِكَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَانُواْ أَبَرَّ هَذِهِ الْأُمَّةِ قُلُوبًا، وَأَعْمَقَهَا عِلْمًا وَإِيمَانًا، وَأَقَلَّهَا تَكَلُّفًا، قَوْمٌ اِخْتَارَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِصُحْبَةِ نَبِيِّهِ، وَإِقَامَةِ دِينِهِ، فَتَشَبَّهُواْ بِأَخْلَاقِهِمْ وَطَرَائِقِهِمْ، فَإِنَّهُمْ كَانُواْ، وَرَبِّ الكَعْبَةِ، عَلَى الهَدْيِ المُسْتَقِيمِ»[5].

نفعني الله وإياكم بقرآنه المبين وبحديث سيد الأولين والآخرين، والحمد لله رب العالمين.

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، الملك الحق المبين، والصلاة والسلام على إمام الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين.

عباد الله؛ من أساليب وطرق تزكية النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأصحابه السؤال عن أحوالِهم، وتقويمُ سلوكهم وضربُ الأمثال لهم ليعلموا قيمةَ الدنيا من الآخرة، ويزهدوا في الفاني، ويرغبوا في الباقي، وهذا كثيرٌ في سيرتِهِ وسنته، نذكر من ذلك مثالا للتمثيل لا الحصر:

فعن البَرَاءِ بن عَازِبٍ رضي الله عنه يقول: أُهْدِيَتْ لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،

«أُهْدِيَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حُلَّةُ حَرِيرٍ، فَجَعَلَ أَصْحَابُهُ يَلْمِسُونَهَا، وَيَعْجَبُونَ مِنْ لِينِهَا، فَقَالَ: «أَتَعْجَبُونَ مِنْ لِينِ هَذِهِ؟ لَمَنَادِيلُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فِي الْجَنَّةِ، خَيْرٌ مِنْهَا وَأَلْيَنُ»[6].

عباد الله؛ تحتاج عملية التزكية إلى المجاهدةِ الدائمة، ومحاسبةِ النفس على الأنفاسِ، ولا شيء أنفعُ في هذا من تلاوة القرآن، وقراءةِ السيرة النبوية، وسِيَر السلف الصالح، ومجالسِ الذكر والصلواتِ على النبي المختار، والإخلاصِ في الدعاء والتضرُّعِ إلى من بيده ناصية القلوب، خالقِ البرية وعلامِ الغيوب. وتقريبِ ذلك للشِّيب والشبابِ بأسلوب سهلٍ ومُمْتِع، فبذلك تزكو النفوسُ وتعيشُ حياةً طيبة، وتستصغر الملذَّاتِ والشهواتِ، وتطمئن إلى فعلِ الخيرِ والإيثار وسائر المبَرَّات.

هذا، وخير ما نختم به الكلام، أفضل الصلاة وأزكى السلام، على هادي الأمة وشفيع الأنام، سيدنا محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، اللهم صل وسلم على سيدنا محمد، وعلى آل سيدنا محمد، كما صليت وسلمت على سيدنا إبراهيم، وبارك على سيدنا محمد، وعلى آل سيدنا محمد، كما باركت على سيدنا إبراهيم، وعلى آل سيدنا إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.

وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين؛ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن باقي الصحب من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان، وعنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين يا رب العالمين.

وانصر اللهم من وليته أمر عبادك، وبسطت يده في أرضك وبلادك، مولانا أمير المؤمنين جلالة الملك محمدا السادس، نصرا عزيزا تعز به الدين، وترفع به شأن الإسلام والمسلمين، اللهم أقر عين جلالته بولي عهده المحبوب، صاحب السمو الملكي الأمير الجليل مولانا الحسن، وشد أزره بشقيقه السعيد، مولاي رشيد، وبباقي أفراد الأسرة الملكية الشريفة، إنك سميع مجيب.

وتغمد اللهم بواسع جودك وكريم فضلك الملكين الجليلين؛ مولانا محمدا الخامس، ومولانا الحسن الثاني، اللهم طيب ثراهما، وأكرم مثواهما، واجزهما خير ما جزيت محسنا عن إحسانه.

اللهم آت نفوسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم إنا نسألك موجبات رحمتك، وعزائم مغفرتك، والسلامة من كل إثم، والغنيمة من كل بر، والفوز بالجنة والنجاة من النار.

 ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا، ربنا إنك رؤوف رحيم.

سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين

 

[1] – آل عمران 164.

[2] – آل عمران 152.

[3] – صحيح البخاري، كتاب التهجد، باب فضل قيام الليل 2/49. رقم الحديث بالمنصة 4281.

[4] – سنن الترمذي: أبواب صفة القيامة والرقائق والورع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، (4 / 284) برقم: (2516)  رقم الحديث بالمنصة9408.

[5] – الشريعة للآجري 4/1685.

[6] – صحيح مسلم، كتاب الفضائل، باب من فضائل سعد بن معاذ 4/1916. رقم الحديث بالمنصة 4261.

شاهد أيضا

تصنيفات

At vero eos et accusamus et iusto odio digni goikussimos ducimus qui to bonfo blanditiis praese. Ntium voluum deleniti atque.

Melbourne, Australia
(Sat - Thursday)
(10am - 05 pm)