تسديد التبليغ وبيان مقاصد الاستخلاف، مقالة بمجلة دعوة الحق، كتبتها الأستاذة سعاد رحائم (العضو بالمجلس العلمي الأعلى)؛ ضمن مقالات العدد 450 بتاريخ ذو القعدة 1446/ أبريل 2025؛
تسديد التبليغ وبيان مقاصد الاستخلاف
ذة. سعاد رحائم
بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على سيدنا محمد أشرف المرسلين. وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد، إن المبلغين من العلماء والعالمات، هم دعاة الكلمة الطيبة في دنيا الناس، وهم عماد الأمة وأملها المنشود في البناء العقدي والتربوي للمجتمعات والنهوض بالحضارات،وهم بهذا يشكلون الدرع الحصينة في تسديد تبليغ الدين ونشر القيم والمبادئ، بغاية تثبيت الأمن الاجتماعي والاقتصادي والفكري والسياسي للأوطان.
لأجل ذلك أرسل الله تعالى نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق، وأمره بالبلاغ والبيان، وإيصال الدعوة إلى كافة الناس بشتى أساليب التبيلغ. فكان صلى الله عليه وسلم في دعوته يتلمس أصحاب العقول الوافرة، والأنفس الزكية، والأخلاق الحميدة، فيعرض عليهم دعوته، ويشرح لهم أصولها، ويدعوهم للإيمان بالله.
وبهذا فالمبلغون هم أولى المكلفين باستنهاض همم الناس، بإعادة النظر في استرجاع صدارة القيم والمثل الكفيلة بإرساء قواعد الشهود الحضاري للمجتمعات من منظور قاعدة الاستخلاف.
خاصة في ظل ما يعيشه العالم اليوم من أزمات تربوية واجتماعية وأخلاقية، وفكرية ساهمت في زعزعة كيان الأمن الاجتماعي، والاقتصادي، والسياسي، والثقافي والفكري للمجتمعات، مما أدى إلى انكسار في القيم، وتصدع في البناء الحضاري لكثير من الأمم.
ولعل السبب المباشر في تفاقم هذه الأوضاع هو فتور الأمة عن الأخذ بأسباب التفاعل الحضاري الكفيل بفك حصار الأزمات والملمات، مما يستدعي من المبلغين إيقاظ الضمائر الحية والغيورة على حرمات المجتمعات، وصيانة حصونها من كل دخيل غث، والدعوة في شتى المناسبات إلى التمسك بالثوابت الدينية والوطنية التي تشد وثاق نسيج الوحدة، وتفضي إلى استمساكها بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها.
والسبيل إلى استنهاض الهمم في إعادة بناء القيم، يقتضي تجديد الوعي الاستخلافي لدى الناس كسبيل من سبل تسديد التبليغ، وخاصة لدى الشباب؛ لأن الإعداد الواعي أو الفهم الصحيح لمبدإ الاستخلاف، سينتج سلوكا وقيما تكون منسجمة مع أصول ومنطلقات هذا الوعي، الذي لا يمكن أن يتأتى إلا بالرجوع إلى ينابيع الحكمة الإلهية والهدي النبوي وفق مقاصد الشرع الحكيم، وما جاء به من منهاج متكامل ومنسجم مع سنن الله تعالى في الكون والخلق.
كما أن السبيل إلى ذلك يقتضي الوقوف على مبدإ السنن الكونية، التي جعلها الله عز وجل دلائل ثابتة للهداية والاعتبار، لأجل السير في الأرض على هدي وبصيرة.وأهم هذه السنن سنة التدافع الحضاري.
ولأجل تثبيت هذه القيم جاءت رسالة الإسلام متدرجة في تبليغ الدعوة للناس، كما تدرجت في تشريع الأحكام وإنزال التكاليف، فتجزأ البلاغ على شُعب الحياة، ورُتب الهموم، وأجناس الناس والأقوام والأمم، على مر ابتعاث الرسل والنبيئين.
ذلك أن إظهار دين التوحيد على باقي المعتقدات الأخرى، وإعلاء مرتكزات القيم الحضارية، وتحقيق معاني الاستخلاف للإنسان في علاقته مع ربه ومع نفسه ومع الكون، وفي علاقته بيوم المعاد لن يتحقق بالشكل المطلوب إلا عن طريق تسديد التبليغ في الفهم الصحيح للوظيفة الوجودية للإنسان، وهي استخلافه في الأرض وكذلك الوعي الكامل بالسنن الكونية.
ولمعالجة هذا الموضوع سأستعرض المباحث الآتية:
أولا:ما المقصود بالاستخلاف في الاستعمال القرآني؟
ثانيا: تسديد تبليغ الوعي بمقاصد الاستخلاف وأبعاده
ثالثا : ركائز تسديد التبليغ من منطق الاستخلاف الإيجابي
رابعا :المبلغون ومسؤولية تبليغ الناس مراد الله من الاستخلاف
أولا :ما المقصود بالاستخلاف في الاستعمال القرآني؟
إن المتأمل في الخطاب الإلهي من خلال العديد من نصوص القرآن الكريم سيجد تفسيرا واضحا لمعنى الاستخلاف، فالدلالة المستنبطة من كلمة خلف واستخلف في الاستعمال القرآني لم تخرج عن نطاق الإيجابية؛ أي أن المستخلف من لدن الله عز وجل ينبغي أن يكون إنسانا إيجابيا فاعلا في الأرض، متفاعلا مع حركتها على ضوء توجيهات الوحي، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْاَرْضِ ۚ فَمَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ ۖ وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا ۖ وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا﴾[1] وقال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْاَرْضِ مِن بَعْدِهِمْ لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾[2]. (يونس: 14)، وهذه هي سننه سبحانه في خلقه.
فحينما يعم الفساد في قوم من الأقوام، ويجحدون بآيات الله ويكفرون بها، يلحق بهم عذاب الرحمان ثم يستخلف قوما آخرين، كما استخلف كثيرا من الأمم بعد قوم نوح قال تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ۖ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنذَرِينَ﴾[3].
والاستخلاف يشكل بداية الوجود الإنساني على الأرض، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الاَرْضِ خَلِيفَةً﴾[4]، وبموجب هذا الاستخلاف زَود خالق الوجود سبحانه الإنسان بما يكفل له القيام بهذه المهمة. وفي مقدمة ذلك العلم الذي شكل أعلى مقامات التكريم الإلهي للإنسان وميزه به عن باقي المخلوقات قال تعالى : ﴿وَعَلَّمَ ءادَمَ الاَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ، قالوا سُبحَانَكَ لا علْمَ لنا إلا ما عَلمتنا إنك أنت العليم الحكيم، قَالَ يَا ءادَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمُ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالاَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ﴾[5].
وكذلك زود مكان الاستخلاف -وهو الأرض -بكل مايحتاجه الإنسان لعيش كريم، فقدر فيها أقواتها وبارك فيها، قال تعالى: ﴿قُلْ أَئنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْاَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ۚ ذَٰلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ، وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِّلسَّائِلِينَ ،ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْاَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾.[6]
واستكمل الله عز وجل قيمة الاستخلاف ببعثة الأنبياء والرسل، وجعل القصد من بعثهم إقامة العدل في الأرض والحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، قال تعالى مخاطبا داود عليه السلام: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْاَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾[7].
ثانيا: تسديد تبليغ الوعي بمقاصد الاستخلاف وأبعاده
إن الإنسان مستخلف في هذه الأرض لأجل أداء مهمة محددة، بينتها الآية الكريمة في قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾[8]. «والعبادة هنا لاتعني فقط الشعائر التعبدية، من صلاة وزكاة وصوم وحج وغيرها، مما يسمى بالعبادات في كتب الفقه الإسلامي، بل تعني الانقياد والانصياع التامين للمنهج، الذي شرعه الله عز وجل بالكفايات والاستعدادات اللازمة لكشف بعض السنن، التي تعين الإنسان على أداء هذه الأمانة، وتفتح أمامه الطريق لفهم هذا العالم وفك رموزه والتعامل معه»[9].
هكذا نفهم أن استخلاف بني آدم في الأرض إنما كان لأجل إعمارها بالحق وإخلاص العبودية لله، وهذا هو منتهى قمة الشهود الحضاري لكل أمة حققت مراد الله من الاستخلاف، قال تعالى مبينا ذلك: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ ۚ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا ۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُون﴾[10].
أي أن الاستخلاف متبوع بالحساب يوم الدين عما كسبت كل نفس من أمرها. وفي هذا السياق أيضا يذكر رب الخلائق الإنسان بمقامه في الحياة الدنيا مركز الاستخلاف قال تعالى :﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِيمَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾[11].
ويتحقق وعد الله تعالى لفئة المؤمنين بالاستخلاف في الأرض والتمكين لهم إن هم آمنوا، وسارعوا إلى فعل الخيرات وأقبلوا على العمل الصالح ،قال تعالى معليا كلمة الحق في وعده الصادق:﴿ قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ، وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْاَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ، وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾[12] (النور: 54 - 56).
وأما من بدل وغير مقاصد الاستخلاف ومعانيه واتبع السبل، فلابد أن تكون الثمرة من جنس العمل، وقد حذرنا رسول الله صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الغي والبغي والظلم :
فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ:أَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ: لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا إِلا فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ وَالأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلافِهِمِ الَّذِينَ مَضَوْا، وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ وَشِدَّةِ الْمَئُونَةِ وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ، وَلَوْلا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا، وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللَّهِ وَعَهْدَ رَسُولِهِ إِلا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوّاً مِنْ غَيْرِهِمْ، فَأَخَذُ بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ، وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ، وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلا جَعَلَ اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ»[13].
فمن سننه عز وجل في إبقاء الحياة على الأرض عدلا، أن يبدل المستخلف المفسد بالمستخلف المصلح، وأولى أمارات الإفساد في الأرض إضاعة الصلاة واتباع للشهوات، وفي اتباع الشهوات استكبار في الأرض وعلو على نعمائها وجحود بخيرات المنعم. وهذه آيات كريمات توضح ديمومة الاستخلاف الإيجابي :
﴿ قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْاَرْضِ ﴾[14].
﴿ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ ﴾[15].
﴿ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْاَرْضِ ﴾[16].
﴿ أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْاَرْضِ ﴾[17].
إن صيرورة استبدال المستخلَفين إذا ما أخلوا بشروط الاستخلاف سنة ثابتة تتضح من خلال منطوق الآية الكريمة في قوله تعالى: ﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقَدْ اَبْلَغْتُكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّونَهُ شَيْئاً إِنَّ رَبِّي عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾[18]، وفي قوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُم مَّا يَشَاءُ كَمَا أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾[19].
كما عبر القرآن الكريم عن معنى الاستخلاف، أحيانا، بلفظ التوريث: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ االاَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾[20].
ثالثا: ركائز تسديد التبليغ من منطق الاستخلاف الإيجابي:
لما كان الاستخلاف في المفهوم القرآني ذكر في سياق الإيجابية والفعل الحضاري وإحقاق الحق في الأرض، فما حظ الناس من هذه الإيجابية في سياق تسديد التبليغ؟
إن رسالة التبليغ وتسديده من لدن المبلغين ينبغي أن يروم في سياق الأولويات الاهتمام بمرحلة الشباب، فهي أغنى مرحلة عمرية في حياة الإنسان، لأنها تحمل في معانيها العطاء والإبداع والإيجابية والفعالية. وقد ورد ذكر الشباب في القرآن الكريم بمعنى الفتوة، وكل الاستعمالات القرآنية لمفرد «فتوة» ذكر في سياق الإيجابية والفعالية، قال تعالى واصفا نبيه إبراهيم عليه السلام في حبه للخير ودفعه للباطل: ﴿قَالُواْ سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُۥٓ إِبْرَٰهِيمُ﴾[21]، وفي شأن فتية وشباب أهل الكهف قال تعالى: ﴿ إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾[22].
كما شكل فتية أصحاب الكهف الطفرة النوعية والمتميزة في مجتمع الظلم والفساد، فمثل هؤلاء الشباب بمفردهم أمة قانتة تحق الحق وتبطل الباطل، ومثلت فتوتهم أيضا رمزا للقوة والأمانة، وصفة من صفات كمال البناء القيمي في مجتمعهم وزمانهم، وهم بالنسبة لشبابنا قدوة مميزة في معاني الاستخلاف الراشد لبني الإنسان، قال تعالى في حقهم :﴿نَحنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِٱلْحَقِّ ۚ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ ءَامَنُواْ بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَٰهُمْ هُدًى﴾[23].
وكذلك كان يوسف عليه السلام في مقام العفة وحفظ العرض ،فخلد نموذجا للفتى الصالح الذي كابد وجاهد نفسه عن الاستسلام لما دعته إليه صاحبة الجمال والسلطان امرأة العزيز، قال تعالى يصف ذلك: ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ ۖ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا ۖ إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾[24].
وبهذا المعنى نفهم أن الفتوة والشباب هما مهد البناء الصحيح لمرتكزات حقيقة الاستخلاف والشهود الحضاري في الأرض، تستدعي من العلماء والعالمات ترشيد التبيلغ وتسديده من أجل ملامسة قضايا التغيير نحو إنتاج الفضيلة وبناء القيم.
والشباب في الذكر النبوي يحمل المعنى نفسه من الصلاح والفلاح وكل أفعال الخير، فهم الذين بنوا أمة البعث النبوي الحضاري خلال ثلاثة وعشرين سنة، فساهموا في الإعداد التربوي للمجتمع، وحملوا لواء التبليغ والتغيير والحق والتوحيد لله، وهدموا لواء الشرك والضلال، ونصروا دين الحق بجانب الرسول صلى الله عليه وسلم.
رابعا : المبلغون ومسؤولية تبليغ الناس مراد الله من الاستخلاف
إن المبلِّغ هو الركن المهمّ في عمليّة التبليغ، من حيث موضوع التبليغ وأثره في المبلغين، والنتائج المحصلة من التبليغ، وأيضا من جهة إدارة العمليّة التبليغيّة وتحديد المكان والزمان والظرف المناسب لها، وهو المعني باختيار الوسيلة والأسلوب الأكثر ملاءمة من غيره. وبقدر ما تكون اختيارات المرتكزات التبليغة مُسددة ومُرشدة يكون التبليغ أكثر وقعاً وأثبت في نفوس المخاطَبين.
فإذا تمكن المبلغون من تبليغ الناس حقيقة الكينونة الوجودية وبينوا المراد الحقيقي من استخلافهم في الأرض، جاءت بعدها مرحلة النظر في أساليب التبليغ السديدة للتجسيد العملي للقيم الحضارية في الفعل السلوكي وفي الممارسة الإيجابية لهذا السلوك.
ومن ثَمَّ فإن من بين أهم المرتكزات الأساسية، في الممارسة الإيجابية للفعل الحضاري لدى المبلغين تتجلى في الآتي:
أولا: في تبليغ الناس كيفية تجديد الصلة بين الإنسان وخالقه:
وذلك في اتجاه تصحيح العلاقة الروحية بين الإنسان وربه وتقويتها بالقربات، من أجل بلوغ تحقيق العبودية الكاملة لله. وسبيل ذلك هو ربط الناس بخالقهم وجعل اتصالهم به اتصالا مباشرا في إنتاج القيم والمبادئ الصالحة، وكذلك
إرشادهم إلى نهج طريق تزكية النفس والارتقاء بها إلى مدارج الفضيلة والسمو الكفيلين بجعل الفرد ضمن عباد الرحمان،كل ذلك من أجل إعمار الأرض بما يليق بمقام الاستخلاف.
وإذا أدرك الناس وجهتهم الصحيحة التي توصلهم إلى تجديد الصلة بينهم وبين خالقهم، علموا يقينا أن كل أفعالهم ينبغي أن تكون لله كما أمر الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾[25].
والعلم هو السبيل المفضي إلى تجديد الصلة المتواصلة بين الإنسان وخالقه، فكم من عالم ينتمي إلى مجتمع غربي بتفوقه العلمي عرف طريقه إلى الله، وأرشدته روحه العالمة إلى البحث عن الحقيقة الكونية، فكانت النتيجة الإيمان بالله والتصديق بوحدانيته، والنماذج عبر التاريخ على ذلك كثيرة، تؤكد دور العلم في الارتقاء بالنفس إلى مدارج الفضيلة وسمو السلوك.ولا بأس هنا أن ندرج بعض الأسماء اللامعة في التاريخ القريب نضعها بين يدي الشباب المسلم كي يأخذ العبرة ومن ثَمَّ يساهم في الاستخلاف الإيجابي:
تقول عالمة الذرة «جونان التوت» والتي أسلمت من بين 250 رجلا وامرأة أشهروا إسلامهم في اليوم نفسه: «المسألة ليست انتقالا من دين إلى آخر، ولاهي تحد لمشاعر وطقوس توارثناها، إنما هي الحرية المنشودة والفردوس المفقود الذي نشعر بأننا أشد الحاجة إليه، نحن الشباب في الغرب نرفض واقع الدين الرومانسي والواقع المادي للحياة، وحل هذه المعادلة الصعبة هي أن نشعر بالإيمان بالله... وبعض الشباب غرق في الرقص بحثاً عن الله، وفي الشيطان، في المخدرات، وفي الهجرة إلى الديانات الشرقية القديمة. وخاصة البوذية، وقليلون هم الذين أعطوا لأنفسهم فرصة التأني والبحث والدراسة. وهؤلاء وجدوا في الدين الإسلامي حلاً للمعادلة الصعبة، وإذا كان عددهم لا يزال قليلاً..»[26].
وفي هذا الصدد نشير أيضا إلى أحد كبار الأطباء المتخصصين في علم التشريح الدكتور «موريس بوكاي» الفرنسي الأصل، والذي ترعرع في أسرة تدين بالنصرانية، وكان جراحا كبيرا في فرنسا.
فكان من مهارته في الجراحة قصة عجيبة غيرت حياته من النصرانية إلى الإسلام... ففي عام 1991م، طلبت فرنسا من دولة مصر استضافة مومياء (فرعون مصر) إلى فرنسا لإجراء اختبارات وفحوصات أثرية على الجثة.
وكان البروفيسور موريس بوكاي حينها هو رئيس الجراحين، بل المسؤول الأول عن دراسة هذه المومياء الفرعونية، ففي الوقت الذي كان فيه المعالجون مهتمون بترميم المومياء،بينما كان اهتمام موريس بوكاي محاولة اكتشاف كيف مات هذا الملك الفرعوني، ولما ظهرت نتائج تحليله النهائية .. تم العثور على بقايا الملح العالق في جسده أكبر دليل على أنه مات غريقا، وأن جثته استخرجت من البحر بعد غرقه فورا، ثم أسرعوا بتحنيطها لينجو بدنه.
ومما زاد حيرة موريس أنه كيف بقيت هذه الجثة دون باقي الجثث الفرعونية المحنطة أكثر سلامة من غيرها رغم أنها استخرجت من البحر... كان موريس بوكاي ينجز تقريراً نهائيا عما كان يعتقده اكتشافاً جديداً في انتشال جثة فرعون من البحر وتحنيطها بعد غرقه مباشرة، حتى همس أحدهم في أذنه قائلا :لا تتعجل فإن المسلمين يتحدثون عن غرق هذه المومياء.. ولكنه استنكر بشدة هذا الخبر، واستغربه معتقدا أن مثل هذا الاكتشاف لا يمكن معرفته إلا بتطور العلم الحديث، وعبر أجهزة حاسوبية حديثة بالغة الدقة.
وتساءل كيف يمكن أن يكون هذا، وهذه المومياء لم تكتشف أصلا إلا في عام 1898م ميلادية أي قبل مائتي عام تقريبا، بينما قرآنهم موجود قبل أكثر من ألف وأربعمائة عام؟! وكيف يستقيم في العقل هذا، والبشرية جمعاء وليس العرب فقط لم يكونوا يعلمون شيئا عن قيام قدماء المصريين بتحنيط جثث فراعنتهم إلا قبل عقود قليلة من الزمان فقط.
وبدأ يتساءل كيف ورد ذكر ذلك في قرآن العرب، ولم يرد ذكره على هذا الوجه في التوراة والإنجيل.
لم يهنأ له قرار ولم يهدأ له بال، حتى سافر إلى إحدى الدول العربية لحضور مؤتمر طبي يتواجد فيه جمع من علماء التشريح المسلمين.. وهناك كان أول حديث تحدثه معهم عما اكشتفه من نجاة جثة فرعون بعد الغرق.. فقام أحدهم وفتح له المصحف وقرأ عليه قوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً ۚ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾[27]. لقد كان وقع الآية عليه شديدا .. ورجت له نفسه رجة جعلته يقف أمام الحضور ويصرخ بأعلى صوته : «لقد دخلت الإسلام وآمنت بهذا القرآن».
وكان من ثمرة إيمانه بالله والتصديق بكتابه الذي لايأتيه الباطل من بين يديه ولامن خلفه، أن عكف على دراسة القرآن الكريم، ثم قام بتأليف كتاب عن القرآن الكريم دراسة مقارنة مع التوراة والإنجيل سماه «القرآن والتوراة والإنجيل والعلم .. دراسة في ضوء المعارف الحديثة»، هذا الكتاب الذي ترجم إلى لغات العالم، ولقي قبولا لدى القراء المنصفين من مختلف الأجناس والديانات.
يقول موريس بوكاي في مقدمة كتابه: «لقد أثارت هذه الجوانب العلمية التي يختص بها القرآن دهشتي العميقة في البداية، فلم أكن أعتقد قط بإمكاني اكتشاف عدد كبير إلى هذا الحد من الدقة بموضوعات شديدة التنوع، ومطابقتها تماما للمعارف العلمية الحديثة، وذلك في نص قد كتب منذ أكثر من ثلاثة عشر قرنا»[28].
ثانيا : تبليغ الناس كيفية تجديد الصلة بين الإنسان والقدوة النبوية:
وذلك من خلال إرشاد الناس إلى إعادة قراءة السيرة النبوية العطرة قراءة واعية، ترشد إلى المقاصد التربوية النبوية الكبرى في إعداد أمة الوسط التي تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، فالنبي محمد صلى الله عليه وسلم هو النموذج الحضاري لمبدإ الاستخلاف الحقيقي المرجو من خلق الإنسان واستعماره في الأرض.
لذلك فكل خبر أو أثر أو سلوك قولي أو فعلي أو عملي في حياة النبي صلى الله عليه وسلم لم تنقله كتب السيرة والسنن عبثا، وإنما شكلت تلك الثروة النبوية الكريمة الأداة المحركة للفعل الحضاري، الذي يرسم للناس طريق السواء في علاقة الحياة الدنيا بالآخرة، وفي بيان تام للعلاقة السننية بين الخلق والاستخلاف.
لأن مواجهة التحديات والأزمات النفسية والسلوكية تفرض على المبلغين امتلاك المؤهلات اللازمة لإرشاد الناس إلى الحياة الطيبة، والتي من شروطها أن تكون في مستوى ما يتطلبه الوضع الإنساني الحالي، وخاصة شبابه الذي أصبح يعيش أزمات نفسية واجتماعية، وأخلاقية وفكرية وثقافية.
وإذا أردنا أن نحقق هذا المستوى من الفعل الحضاري المتمثل في القدوة النبوية في سياق تسديد التبليغ وانتقاء مفرداته المناسبة، لابد أن نجدد فهمنا وتطبيقنا لسننه صلى الله عليه وسلم وتوجيهاته، من أجل بلوغ حياة طيبة في دنيا الناس على عين الوحي والسنة النبوية المطهرة.
فإذا كان النبي الكريم قد أسس مرتكزات الدولة الإسلامية وبنى قواعدها على عين الرحمن كما ورد ذكره في قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ۖ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾[29]، فإننا باتباع هديه صلى الله عليه وسلم سنكون من عباد الرحمان الذين يتفاعلون مع الكون وفق منهج الرحمان وعلى عينه وبصيرته سبحانه كذلك.
وسيرته صلى الله عليه وسلم العطرة كانت لها رياحين عطرة، جعلتها محط اهتمام الدارسين من علماء الغرب المنصفين للحقيقة العلمية التاريخية بمنطق العقل الواعي الذي يزن الأمور بميزان العدل والإنصاف وفيه صلى الله عليه وسلم يقول العالم الإنجليزي كارليل في كتابه الأبطال: «إن العار أن يصغى الإنسان المتمدن من أبناء هذا الجيل إلى وهم القائلين أن دين الإسلام دين كذب، وأن محمدا لم يكن على حق، لقد آن لنا أن نحارب هذه الادعاءات السخيفة المخجلة، فالرسالة التي دعا إليها هذا النبي ظلت سراجا منيرا أربعة عشر قرنا من الزمن لملايين كثيرة من الناس، فهل من المعقول أن تكون هذه الرسالة التي عاشت عليها هذه الملايين، وماتت أكذوبة كاذب أوخديعة مخادع، لو أنه الكذب والتضليل يروجان عند الخلق هذا الرواج الكبير لأصبحت الحياة سخفا، وعبثا وكان الأجدر بها أن لا توجد.
إن الرجل الكاذب لايستطيع أن يبني بيتا من الطوب لجهله بخصائص البناء، وإذا بناه فما ذلك الذي يبنيه إلا كومة من أخلاط هذه المواد، فمابالك بالذي يبني بيتا دعائمه هذه القرون العديدةوتسكنه مئات الملايين من الناس .
فما الرسالة التي أداها إلا الصدق والحق، وما كلمته إلا صوت حق صادر من العالم المجهول، وماهو إلا شهاب أضاء العالم أجمع، ذلك أمر الله ، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
إلى أن قال: «كان عادلاً، صادق النية، كان ذكي اللب، شهم الفؤاد، لَوْذَعِياً، كأنما بين جنبيه مصابيح كل ليل بهيم، ممتلئاً نوراً، رجلاً عظيماً بفطرته، لم تثقفه مدرسة، ولا هذبه معلم، وهو غني عن ذلك»[30].
ثالثا: تبليغ الناس آليات التفاعل الإيجابي مع الفعل الحضاري:
وأقصد بذلك الوعي التام بواقع المرحلة الراهنة، وما أنتجته العولمة من الوسائل والتقنيات الحديثة، والتكنولوجيا ووسائل الإعلام والاتصال والتواصل، وما يتبع ذلك من تغيرات في أحوال الناس في المجال العقدي والفكري والتربوي والاجتماعي العام، بما يحمله هذا الفعل الحضاري من رياح التغيير والانجراف الذي قد يهوي بأفئدة الناس إلى الانسلاخ عن هويتهم الوطنية وثوابتهم الدينية، والتي إن هم تمسكوا بها يحافظون على وحدتهم وتماسكهم الاجتماعي، ومن تم فبها يشكلون سدا منيعا ضد أي تيار مفسد للوحدة العقدية والوطنية.
فالمبلغون من العلماء بهذا يكونون أهم الواقفين على حصون الممانعة في توعية الناس بعظمة دينهم، ثم السعي في الأرض بما يحقق استخلافا إيجابيا، يتأسس على نصرة الدين والعقل والمال والعرض والنفس، وكذلك يتأسس على نصرة الوحدة التكاملية بين الإنسان وأخيه الإنسان، في استشعار دائم بوحدة المسؤولية في الحفاظ على وحدة الأمة والتمسك بثوابتها. وفي نكران تام لحدود الأنا النفعية إلى مجتمع الخيرية، المراد من قوله تعالى : ﴿كنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُومِنُونَ بِاللَّهِ﴾[31].
وبهذا «فقضية شهادة الأمة التي جعلها الله تعالى وسطا كي تشهد على الناس، وقرن شهادتها بشهادة الرسول عليها، أهم وأعمق من الثناء بالخير أو الذكر بالسوء، لأن شهادة الأمة الوسط على الناس تتعلق أساسا بأن تبلغ هذه الأمة بدورها، وبصورة متواصلة لا انقطاع ولافتور فيها ما بلغها الرسول، فهو يشهد علينا أن بلغنا، ونحن بدورنا نشهد من بعده أننا بلغنا الناس مابلغنا...فشهادة الرسول عليه السلام مقترنة بالتبشير والنذير والدعوة إلى الله حتى يكون لجميع الناس سراجا منيرا، ذلك فحوى شهادته عليه السلام، وشهادة أمة الوسط هي أن يكون كل فرد من أفرادها بقوله وسلوكه، سراجا منيرا بدوره ...إن الشهادة تقتضي الارتفاع بالإنسان إلى أسمى معاني إنسانيته، وتوطد الصلة بينه وبين خالقه»[32].
رابعا : تبليغ الناس كيفيات تجديد الوعي الكامل بسنن الله تعالى في كونه وخلقه:
ذلك أن العمل الصالح طريق إلى الحياة الطيبة قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ اُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾[33].
ومنه أن العمل الصالح طريق إلى الجنة، قال تعالى : ﴿وَاٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْاَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا ۖ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقًّا ۚ وَمَنْ اَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ قِيلًا﴾[34] .
ومنه أن تجاوز حدود الله هو ظلم للنفس، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَّتَعَدَّ حُدُودَ اَ۬للَّهِ فَقَد ظَّلَمَ نَفْسَهُۥۖ﴾[35] وقال تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُون﴾[36].
وجملة القول في الوعي الكامل بالسنن الإلهية، أن هذا الكون مبني على سنة التدافع والتداول الحضاري بين الأقوام، وفقه هذه السنن يضيء درب المسلم نحو الصلاح ويمده بالقدرة اللازمة على التمييز بين صالح الأشياء وفاسدها. ولعل سنة التدافع الحضاري هي المحور الرئيس في الإبقاء على صفة الخيرية لأمة الوسط واستمرار الفعل الحضاري الإيجابي.
ذلك أن الحق في صراع وتدافع دائم مع الباطل، والنصرة تكون دائما في جانب الحق، قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا دِفَٰعُ اُ۬للَّهِ اِ۬لنَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٖ لَّفَسَدَتِ اِ۬لَارْضُۖ وَلَٰكِنَّ اَ۬للَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى اَ۬لْعَٰلَمِينَۖ ﴾[37]. وبانتصار الحق يمكن الله تعالى لعباده المخلصين، قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾[38].
والحمد لله رب العالمين
[1] سورة فاطر الآية 39.
[2] سورة يونس الآية 14.
[3] سورة يونس الآية 73-72.
[4] سورة البقرة الآية 92.
[5] سورة البقرة الآية 32-30.
[6] سورة فصلت الآية10-9.
[7] سورة ص الآية 26.
[8] سورة الذاريات الآية 65.
[9] أزمتنا الحضارية في ضوء سنة الله في الخلق للدكتور أحمد كنعان /كتاب الأمة، العدد 26 المحرم 1411هـ، منشورات الدوحة قطر، ص 96.
[10] سورة الأنعام الآية 164.
[11] سورة الأنعام الآية 167.
[12] سورة النور الآية 56-54.
[13] رواه الطبراني في «المعجم الأوسط» (5 / 61 - 62)، وفي «مسند الشاميين» (2 / 390)، والحاكم في «المستدرك» (4 / 540) وهو حديث صحيح الإسناد من طريق الْهَيْثَم بْن حُمَيْدٍ، قال :أَخْبَرَنِي أَبُو مَعْبَدٍ حَفْصُ بْنُ غَيْلَانَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، فذكر الحديث ./ كما أخرجه ابن ماجة الحديث رقم /4019.
[14] سورة الأعراف الآية 129.
[15] سورة الأعراف الآية 69.
[16] سورة الأعراف الآية 74.
[17] سورة النمل الآية 62.
[18] سورة هود الآية65.
[19] سورة الأنعام الآية 134.
[20] سورة الأنبياء الآية104.
[21] سورة الأنبياء الآية 66.
[22] سورة الكهف الآية 10.
[23] سورة الكهف الآية 13.
[24] سورة يوسف الآية 30.
[25] سورة الأنعام الآية162.
[26] - انظر: الرسول صلى الله عليه وسلم في عيون غربية منصفة للمؤلف الحسيني الحسيني معدي/ دار الكتاب العربي مصر سنة 2006م الطبعة الأولى، ص: 72.
[27] سورة يونس الآية 92.
[28] القرآن والتوراة والإنجيل، دراسة في ضوء العلم الحديث: تأليف موريس بوكاي، ترجمة عادل يوسف، الطبعة الأولى:2009م/ الناشر مكتبة الأهلية الأردن، ص11.
[29] سورة الطور الآية74.
[30] كتاب الأبطال لتوماس كارليل / تعريب محمد السباعي / المطبعة المصرية الأزهر سنة 1930م/ الطبعة الثالثة/ ص 75.
[31] سورة آل عمران الآية 110.
[32] انظر: أمة الوسط التحديات والعصر لمحمد الطالب/ تونس سراس للنشر 1996م، ص29.
[33] سورة النحل الآية 97.
[34] سورة النساء الآية122.
[35] سورة الطلاق الآية1.
[36] سورة البقرة الآية 229.
[37] سورة البقرة الآية251.
[38] سورة النور الآية 55.




