جارٍ تحميل التاريخ...

الحلم والرفق في التبليغ – ذ. توفيق الغلبزوري

النسخة المكتوبة

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن اتبع سنته وهداه.

سنتحدث في هذا الحديث أيها الإخوة الأئمة الفضلاء عما ينبغي أن يتحلى به أهل العلم من الأئمة والعلماء والمبلغين عن الله من الرفق والحلم لا سيما مع أهل الجفاء والعنف.

عن أنس رضي الله عنه قَالَ: كُنْتُ أمشي مَعَ رسول الله ﷺ وَعَلَيْهِ بُرْد نَجْرَانيٌّ غَلِيظُ الحَاشِيَةِ، فأدْرَكَهُ أعْرَابِي فَجَبذَهُ بِرِدَائِهِ جَبْذَة شَديدة، فَنَظَرْتُ إِلَى صَفْحَةِ عَاتِقِ النَّبيِّ ﷺ وَقَدْ أثَّرَتْ بِهَا حَاشِيَة الرِّدَاءِ مِنْ شِدَّةِ جَبْذَتِه، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، مُر لِي مِنْ مَالِ اللهِ الَّذِي عِنْدَكَ. فَالتَفَتَ إِلَيْهِ، فَضَحِكَ، ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ.

تخريج الحديث:

متفق عليه، أخرجه البخاري في كتاب اللباس، باب: البرود والحبرة والشملة، (3149)، ومسلم في كتاب الزكاة، باب: إعطاء من سأل بفحش وغلظة (1057).

حدثنا إسماعيل بن عبد الله قال حدثني مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك: الحديث.

قال الحافظ ابن حجر: “قوله حدثني مالك، قال الدارقطني: لم أر هذا الحديث عند أحد من رواة الموطأ إلا عند يحيى بن بكير ومعن بن عيسى، ورواه جماعة من رواة الموطأ عن مالك، لكن خارج الموطأ، وزاد ابن عبد البر: أنه رواه في الموطأ أيضا مصعب بن عبد الله الزبيري وسليمان بن صرد، قلت: ولم يخرجه البخاري إلا من رواية مالك، وأخرجه مسلم أيضا من رواية الأوزاعي ومن رواية همام ومن رواية عكرمة بن عمارة كلهم عن إسحاق بن أبي طلحة، وساقه على لفظ مالك وبين بعض لفظ غيره [1].

شرح ألفاظ الحديث:

(برد نجراني): والبُرد: الرداء منسوبٌ إلى نجران بلد بين الحجاز واليمن، (غليظ الحاشية) أي: الطرف (فأدركه أعرابي) أي لحقه (فجبذه) أي: فجذب الأعرابي النبي ﷺ بردائه جبذة شديدة”. قال أنس: فنظرت إلى صفحة عاتق رسول الله ﷺ): وهو موضع بين المنكب والعنق (قد أثرت بها) أي: في صفحته. (حاشية الرداء من شدة جبذته) ثم قال الأعرابي: (يا محمد)! والظاهر أنه كان من المؤلفة، فلذلك فعل ما فعله، ثم خاطبه باسمه قائلا على وجه العنف مقابلاً لبحر اللطف (مر لي) أي: مر وكلاءك بأن يعطوا لي أو مر بالعطاء لأجلي (من مال الله الذي عندك) أي من غير صنيع لك في إعطائك، كما صرح في رواية حيث قال: “لا من مالك ولا من مال أبيك“. قيل: المراد به مال الزكاة، فإنه كان يصرف بعضه إلى المؤلفة، (فالتفت إليه رسول الله ﷺ فنظر إليه) تعجبا (فضحك) أي تلطفا ثم أمر له بعطاء.

شرح الحديث:

هذا الحديث النبوي الشريف يدل على فضل الحلم والصَّفح والعفو، ولا سيما من أُولي الفضل ومن العلماء والأئمة والمبلغين؛ لأنَّ هذا من أسباب هداية البشر: الصفح، والعفو، والإعراض عن الجاهلين، والحلم من أسباب توفيق الله للعبد، ومن أسباب رضا الله عنه، ومن أسباب هداية الآخرين على يديه، كما قال الله جلَّ وعلا{خُذِ الْعَفْوَ وَامُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [الأعراف:199]، وقال جلَّ وعلا في كتابه العظيم:{فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْاَمْرِ}  [آل عمران:159].

ويُفيد كذلك أنه ينبغي للعلماء والفضلاء والأئمة التأسِّي بالأنبياء في الحلم عند التبليغ حتى يكونوا موفقين ومسددين بإذن الله تعالى، والصبر، وعدم الغلظة، وعدم الانتقام، تقول عائشةُ رضي الله عنها: “ما كان ينتقم لنفسه عليه الصلاة والسلام، بل كان يعفو ويصفح، إلا إن انتُهِكَتْ محارمُ الله؛ فإنه ينتقم لله“، والله يقول: {وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [البقرة:237]، ويقول جلَّ وعلا: {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} [الشورى:40]، ومن صفات المتقين: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ} [آل عمران:134].

من فوائد الحديث:

الفائدة الأولى:

 الحديث فيه بيان ما كان النبي – صلى الله عليه وسلم – يتحلى به من حلم وصبر على الأذى في النفس والمال، والتجاوز على جفاء الأعراب، كل ذلك لأنه – صلى الله عليه وسلم – عَظُم خلقه؛ قال تعالى عنه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:4].

ولأن خلقَه القرآن، فأراد – صلى الله عليه وسلم – أن يتألَّف الأعرابي على الإسلام، وهكذا ينبغي على الدعاة إلى الخير وأهل العلم والأئمة والمبلغين أن يكونوا أَولى الناس بهذا الخلق العظيم، فيصبروا على جفاء الناس ودعوتهم، من أجل أن يوصلوا الإسلام وتعاليمه بأقوالهم وأفعالهم، فيحتسبوا أذيتهم لينالوا الأجر.

والمتأمل في هذا الحديث يجد عدة أمور في موقف الأعرابي مع النبي – صلى الله عليه وسلم – كل أمر يدل على جفاء الأعرابي مع النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – مع أنه جاء ليطلب ما عند النبي – صلى الله عليه وسلم – فتأمل هذه الأمور:

أ(فَجَبَذَهُ بِرِدَائِهِ)، فهو لم يناديه أو يستأذنه أو يتلطف، مع أنه طالب وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ب(جَبْذَةً شَدِيدَةً) ومن شدة الجبذة رجع جسد النبي صلى الله عليه وسلم – إلى جهة نحر الأعرابي كما في الرواية الأخرى.

ج– نْشَقَّ الْبُرْدُ)، وهذا من شدة الجبذة حتى ظهرت حاشية الرداء التي من الداخل، وبقِيت في عنق النبي صلى الله عليه وسلم.

د- (نَظَرْتُ إِلَى صَفْحَةِ عُنُقِ رَسُولِ اللّهِ، وَقَدْ أَثَّرَتْ بِهَا حَاشِيَةُ الرِّدَاءِ)، فها هو الجسد الشريف يلحق بالرداء في التأثر، وكل هذا من شدة الجبذة.

هـ- (ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ): فلم يقل يا رسول الله، أويا نبي الله، وإنما ناداه باسمه مجردًا.

و- (مُرْ لِي مِنْ مَالِ اللّهِ الَّذِي عِنْدَكَ)؛ أي: إنه ليس لك فيه فضل وحق، وإنما هو مال الله تعالى فإن أعطيتني، أعطيتني منه لا فضل لك عليَّ.

وماذا كانت النتيجة بعد هذه اللفتات السابقة: ثلاث خطوات: (فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللّهِ، فَضَحِكَ، ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ)، فما أعظمه من خُلق يتجلى فيه أعظم الحلم البشري والصبر على الأذى، وكم يحتاج الدعاة اليوم وأهل العلم والأئمة المبلغين عن الله إلى الاقتداء بهذا التصرف والخلق العظيم في مواقف أدنى من هذا الموقف وبكثير، ومع شديد الأسف تجد منهم من لا يصبر على موقف يسير أو على خطأ عفوي، وربما منعه الخير بسبب خطئه اليسير أو عاقَبه على ذلك.

الفائدة الثانية:

 في قول الأعرابي: (يَا مُحَمَّدُ) ولم يَلُمْه أو يزجُره النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك: دلالةٌ على أن نداء صاحب الفضل باسمه ليس فيه تنقُّص له، ولا شك أن من كمال وأدب الخطاب أن يناديه بما هو معروف فيه بالفقه والعلم، ولكن المقصود أن صاحب الفضل ينبغي ألا يضيق ذرعًا فيما لو حصل له مثل هذا النداء، وليتذكر أن أشرف البشرية – صلَّى الله عليه وسلَّم – نودي باسمه مجردًا.

الفائدة الثالثة:

 الحديث فيه دلالة على أنه ينبغي للداعية إلى الخير والمسؤول عن العلم والمبلغ – أن يعطي السائل جواب سؤاله ولو أساء الأدب، فإن هذا من كمال الصبر على الأذى، ولا يجعل ذلك ذريعة لمنعه من الخير وحرمانه منه، بل عليه أن يحتسب أذيته له ويُحسن إليه، فإن هذا أكمل في التعامل والصبر على الأذى[2].

اللهم اهدنا إلى محاسن الأخلاق، فإنه لا يهدي إلى محاسنها إلا أنت، وجنبنا الشقاق والنفاق وسوء الأخلاق، واجعلنا من الراشدين، وصلى الله وسلم على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه.

والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

 



[1] – فتح الباري 10/521.

[2]  – انظر: إبهاج المسلم بشرح صحيح مسلم (كتاب الزكاة).

 

شاهد أيضا

تصنيفات

At vero eos et accusamus et iusto odio digni goikussimos ducimus qui to bonfo blanditiis praese. Ntium voluum deleniti atque.

Melbourne, Australia
(Sat - Thursday)
(10am - 05 pm)