جارٍ تحميل التاريخ...

التبليغ والأمانة – ذ. محمد درقاوي

النسخة المكتوبة

يقول الحق سبحانه: {اِنَّا عَرَضْنَا اَ۬لَامَانَةَ عَلَى اَ۬لسَّمَٰوَٰتِ وَالَارْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَّحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَاۖ وَحَمَلَهَا اَ۬لِانسَٰنُ إِنَّهُۥ كَانَ ظَلُوماٗ جَهُولاٗ لِّيُعَذِّبَ اَ۬للَّهُ اُ۬لْمُنَٰفِقِينَ وَالْمُنَٰفِقَٰتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَٰتِ وَيَتُوبَ اَ۬للَّهُ عَلَى اَ۬لْمُومِنِينَ وَالْمُومِنَٰتِۖ وَكَانَ اَ۬للَّهُ غَفُوراٗ رَّحِيماًۖ} [الأحزاب: 71-72].

لقد تعددت صور الأمانة في الكتاب العزيز بين أمانة عامة وأخرى خاصة وأمانات مادية وأخرى معنوية، فكل إنسان أمين في الوجود مؤتمن على شيء في الوجود وهو عنده أمانة، لكن خصوصيتها تظهر في يد طائفة من الناس ارتبطوا بأمانات خاصة هي أقرب ما يكون إلى الوديعة، حين استودعهم الله تعالى أمانات وعليهم مسؤولية رعايتها في الناس؛ حفظا عن الضياع وحفظا عن التصرف بما لا يليق بمقامها إلا بما يأذن به صاحبها ومنشؤ أمرها، ثم من مقتضيات ذلك أن ترد عندما يحين وقت استرجاعها دون أن ينازع أو يجادل.

قال صاحب التحرير والتنوير: هذا العرض كان في مبدأ تكوين العالم ونوع الإنسان، لأنه لما ذكرت فيه السماوات والأرض والجبال مع الإنسان عُلم أن المراد بالإنسان نوعه، لأنه لو أريد بعض أفراده ولو في أول النشأة لما كان في تحمل ذلك الفرد للأمانة ارتباط بتعذيب المنافقين والمشركين، ولما كان في تحمل بعض أفراده دون بعض الأمانة مناسبة لتصرفات الله تعالى[1].

قال محمد صادق عرجون حين تحدث عن أمانة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: الأمانة أجمع مكارم الأخلاق، ولن يكون أمينا قط من يفقد في أخلاقه مكرمة من المكارم، فالكريم هو ذو الخلق العظيم الجامع لأشتات الفضائل، والأمين هو الكامل في استقامته مع نفسه ومع جميع الخلق[2].

قال أحمد شوقي:

يا جاهلين على الهادي ودعوته *** هل تجهلون مكان الصادق العلم

لقبتموه أمين القوم في صغر *** وما الأمين على قوم بمتهم

ورسول الله ﷺ لم يدرك بعد في طفولته معنى الأمانة وظل يعيشها في صباه لسانا وحالا، وما كان لهذه الفضيلة أن تكون دون أن تترك أثرا في النفوس، وأبرز دلالة على هذه الأمانة المبكرة استئمان الناس له على أغنامهم.

ورد في اللغة لفظ الاسترعاء وهو في جل معانيه يدور حول طلب الحفظ والإصغاء والانتباه والرعاية والتعهد، ويعني شد الانتباه وطلب الإصغاء واسترعاء السمع.

لقد حصَّل رسول الله ﷺ من مجال رعي الغنم مكارم الأخلاق السنية، فهو من خلالها تعلم النظر في المجال والمخلوقات والأحياء، ومن خلالها تعلم التعامل مع الأشياء والجمادات، ثم أخلاق المعاملة مع الناس على أساس الفطرة. ألا ترى أن نظرة الفلاح والراعي إلى المجال تغاير تماما نظرة غيره، فنظرته تحمل معاني الحفظ والرعاية والتعهد والصيانة والمسؤولية والتعلق بالله.

ولما قبل رسول الله ﷺ مهمة الرعي أضحى مسؤولا عنها، وتعددت أوجه مسؤوليتها بحسب ما يقيم صلبها ووجودها، فإن قال قائل بأن رسول الله ﷺ في هذا السن هو أصغر من هذه المعاني، قلنا له: لقد استجاب ﷺ لقول ربه: {اِنَّا عَرَضْنَا اَ۬لَامَانَةَ عَلَى اَ۬لسَّمَٰوَٰتِ وَالَارْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَّحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَاۖ…}، كما جسد فضيلة الأمانة استجابة لربه الذي بعثه لحمل المسؤولية العظمى وهي هداية الخلق.

لقد سماه قومه بالأمين لأن قيم الأمانة تجسدت في كل ارتباطاته المادية والمعنوية، وكان رسول الله ﷺ وليس بمكة أحد عنده شيء يخشى عليه إلا وضعه عنده لما يعلم من صدقه وأمانته، ثم استأمنته أمنا خديجة رضي الله عنها على مالها حين علمت بأمانته.

 فقد روي أن خديجة بنت خويلد كانت امرأة تاجرة، ذات شرف ومال، تستأجر الرجال في مالها، وتضاربهم إياه بشيء تجعل لهم منه. وكانت قريش قوما تجارا، فلما بلغها عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ما بلغها من صدق حديثه، وعظم أمانته، وكرم أخلاقه- بعثت إليه، فعرضت أن يخرج في مالها تاجرا إلى الشام، وتعطيه أفضل ما كانت تعطي غيره من التجار، مع غلام لها يقال له ميسرة[3].

ثم إن أمانته كانت استمدادا من قوله تعالى: “إنا عرضنا الأمانة…” لأنها كانت أمانة عن حاجة نعم، ولكن مع عز ونبل وشرف، ويقر ذلك عمه أبو طالب في زواجه من أمنا خديجة رضي الله عنها إذ قال: “إنّ محمدا لا يوزن به فتى من قريش إلا رجح به، شرفا ونبلا وفضلا وعقلا، وإن كان في المال قلّا، فإنما المال ظل زائل، وعارية مسترجعة، وله في خديجة بنت خويلد رغبة، ولها فيه مثل ذلك”[4].

وفي بناء الكعبة أيام الجاهلية لما انتهوا إلى حيث يوضع الركن من البيت قالت كل قبيلة نحن أحق بوضعه، واختلفوا حتى خافوا القتال، ثم جعلوا بينهم أول من يدخل من باب بني شيبة فيكون هو الذي يضعه، وقالوارضينا وسلمنا، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، أول من دخل من باب بني شيبة، فلما رأوه قالواهذا الأمين قد رضينا بما قضى بيننا[5].

حتى وإن كانوا على شركهم التفتوا إلى الشعور بأمانته في أعظم بيت يقدسونه ويجلونه وخاضوا من أجله معارك الحياة والموت، وهم من قرروا حين إعادة بنائها ألا يدخلوا فيها من الكسب إلا الطيب، ثم استأمنوا رسول الله ﷺ على أعظم جزء منه.

المبلغون والأئمة معهم هم الأمناء على هذا الدين بهداياتهم وتوفيقهم وتسديدهم ومطالب المجتمع منهم سقف عال، وذلك أن حق المجتمع علينا أكثر من حقنا على أنفسنا، وقد يسائل المجتمع يوما أئمته عن أماناتهم ووفائهم بالتزاماتهم وحضورهم مع الناس في موعدهم مع التاريخ، وقد أسلمت الجماعة زمامها لهم عبر التاريخ عن رضى وطمأنينة.

إن المؤسسة العلمية بالمغرب حاضرة في المشرق والمغرب وبين الورى، والإمام يستمد منها مجده بقدر ما تستمد منه هويتها باعتباره نائبا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وباعتباره مشرفا من الإمام الأعظم بالصفوف الأمامية، ولا يكون ذلك كذلك إلا إذا كانت له سلطة شرعية ونفود معنوي قوي في المجتمع، ثم هيبته مكينة في النفوس.

النيابة عن النبي ﷺ في تبليغ أمانات الدين يقتضي أن يؤمن الإمام بما يفعل وإلا كان ظالما للحق الذي أمره الحق بالدفاع عنه، وقد جرت سنة الله في العالمين أن الباطل لا يزهق إلا أمام الحق المكين.

لابد أن يكون الإمام المبلغ سالما في تصوره بما هو عليه، من هو؟ ماذا يريد؟ وهل يفقه مكانه ودوره ورسالته؟ يقينه في نفسه وأهليته لحمل الأمانة التي طوق الله عنقه بها يظهر في المنطق الذي يعامل بها الإمام القضايا التي تشتغل عليها المؤسسة العلمية ومن دخل ميدان التبليغ وبضاعته في الأمانة والعلم والإخلاص مزجاة كان قاتلا للدين معرضا محرابه للقيل والقال.

كيف يرى الإمام نفسه؟ وهل بلغت رؤيته لنفسه مبلغ اليقين التي تندفع بها كل مراتب التشكيك وتتقوى بها رسالته وموقعه وفعاليته وتأثيره؟

يحكى أن أعرابيا عرض ناقته بثمن بخس واشترط أن تباع قلادتها معها بألف درهم،كان الناس يقولون ما أرخص الناقة لولا هذه القلادة الملعونة.

إن من أمانات التبليغ أن لا يضيف الإمام إلى تبليغه أوهاما وهوامش تقع في الناس موقع قلادة الناقة لا تنفعه ولا تنفع الناس، كأن يعيش ظاهرة التضخم في القول على حساب العمل وهو ما يوجب عليه أن يتجاوز الحديث والاكتفاء بالمظاهر والشكليات التي طغت على تدين الناس فلم تنفذ بهم إلى حقيقته، فيبقى الإمام حبيس التدين القشري والصور الجوفاء فيصرفه ذلك عن الاشتغال بالحقائق وهدايات الدين وقيم الفطرة.

أمانة الإمام أن يرد العوادي على المجتمع، ولكن حين يرى الآخرون أن هذا الإمام أدنى أمانة وانخراطا وفهما وفقها فلن يرضوه موجها، ونحن نعلم أن الأفضلية تكون للإمام على المأموم، وفاقد الأفضلية لا شرعية له لأن صلته بالنبوة انقطعت، وأخطره أن تنقطع من جهة الأمانة.

إن الإمام الأمين باعتباره نائبا عن النبي الأمين وجب عليه التبليغ والإخلاص للأمر الجامع، فقد دلت الآيات والأحاديث أن الله تعالى أمر رسوله ﷺ بتبليغ ما أنزل إليه كله، دون تجزيئ أو تأجيل، إلى الناس كافة، وقد شهد الله في كتابه العزيز أن نبيه محمد ﷺ بلغ الرسالة وأدى الأمانة فقال: {يَٰٓأَيُّهَا اَ۬لرَّسُولُ  بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَٰتِهِۦۖ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ اَ۬لنَّاسِۖ إِنَّ اَ۬للَّهَ لَا يَهْدِے اِ۬لْقَوْمَ اَ۬لْكٰ۪فِرِينَۖ} [المائدة: 69]، قال البخاري عند تفسير هذه الآية من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: من حدثك أن محمدا ﷺ كتم شيئا مما أنزل الله عليه فقد كذب، وهو يقول: {يَٰٓأَيُّهَا اَ۬لرَّسُولُ  بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَۖ}، ويؤكد هذا ماروه البخاري عن الزهري أنه قال: من الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التسليم.

وقد شهدت له أمته بإبلاغ الرسالة وأداء الأمانة، واستنطقهم بذلك في أعظم المحافل في خطبته يوم حجة الوداع، وقد كان هناك من أصحابه نحو من أربعين ألفا، كما ثبت في صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله: أن رسول الله ﷺ قال في خطبته يومئذ: “أيها الناس، إنكم مسؤولون عني، فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك بلغت وأديت ونصحت، فجعل يرفع إصبعه إلى السماء وينكسها إليهم ويقول: “اللهم هل بلغت”[6].

لم يفرح يوما الإمام الأمين ببضاعة مذهبية مستوردة، ولم يحالف تيارا معينا لأنه سيجد نفسه ضد تيار آخر، وهذا يناقض أصل وجوده ورسالته، ولم يكن يوما مداهنا مع تيارات سياسيات معينة، ولم يكن يوما من السوداويين ينتحل انتحال المبطلين ويؤول تأويل الجاهلين ويحرف تحريف الغالين.

ثم إن الأمانة في التبليغ عند الإمام ليست مجرد توصيل المعلومة للجماعة، بل توصيل وزيادة، توصيل ما أوحي إليه من ربه ليس فقط كيما يحيطوا به علما، بل يجعلهم يتفكرون ويتذكرون، ويلح عليهم في لزوم التطبيق أمرا ونهيا، وحين ينفك شرط الإلحاح عن عمل الأئمة تضعف فضيلة الأمانة.

إن ما تحدثنا عنه اليوم من لزوم الأمانة لعمل الإمام يحتاج مزيدا من الوعي والتفكير ليتحقق فينا شيء مما عرضه الله علينا وألزمنا بحمله.

بارك الله لي ولكم في الذكر الحكيم، وفي حديث وسيرة سيد المرسلين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

 



[1]  التحرير والتنوير، ابن عاشور، 22/125.

[2]  محمد رسول الله، محمد صادق عرجون، ص 328.

[3]  دلائل النبوة، البيهقي، 2/67.

[4]  فقه السيرة للغزالي، محمد الغزالي، ص81.

[5]  الطبقات الكبرى، ابن سعد، 2/146.

[6]  صحيح مسلم، رقم الحديث: 1218.

شاهد أيضا

تصنيفات

At vero eos et accusamus et iusto odio digni goikussimos ducimus qui to bonfo blanditiis praese. Ntium voluum deleniti atque.

Melbourne, Australia
(Sat - Thursday)
(10am - 05 pm)