الدين والرحمة
ذ. سعيد بيهي
بسم الله، والحمد لله؛ والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
وبعد؛ فهذا هو الدرس الحادي عشر من دروس « الدين والحياة الطيبة« ، وهو يحاول بيان مركزية قضية الرحمة باعتبارها غاية عظيمة من غايات نزول الدين، تتكيف بروحها طبيعته، وتتلون بمعانيها مناهجه، وتسري أسرارها في قضاياه.
إن الرحمة غايَةُ إنزالِ الوحي المُقَرِّرِ للدين؛ قال تعالى: ﴿وهذا كتاب أنزلناه مباركٌ فاتبعوه واتقوا لعلكم تُرحمون﴾ [الأنعام: 155]، وثَمَرَةُ ما جاء به الدين من سائر تكاليفه كما قال تعالى: ﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الرسول لعلكم تُرحمون﴾ [النور: 54]؛ يقول العلامة ابن عاشور: « وقَدْ جَمَعَتْ هَذِهِ الآيَةُ جَمِيعَ الأعْمالِ الصّالِحاتِ؛ فَأهَمُّها بِالتَّصْرِيحِ، وسائِرُها بِعُمُومِ حَذْفِ المُتَعَلَّقِ بِقَوْلِهِ: ﴿وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾؛ أيْ في كُلِّ ما يَأْمُرُكم ويَنْهاكم.
ورُتِّبَ عَلى ذَلِكَ رَجاءُ حُصُولِ الرَّحْمَةِ لَهم، أيْ في الدُّنْيا بِتَحْقِيقِ الوَعْدِ الَّذِي مِن رَحْمَتِهِ الأمْنُ، وفي الآخِرَةِ بِالدَّرَجاتِ العُلَى »…
ولأجل عظيم شأن الرحمة جعلها الله سبحانه مُنْطَلَقَ تَعْليمِ الكتابِ وأساسَه؛ قال تعالى: ﴿الرحمن علم القرآن﴾ [الرحمن: 1]؛ حتى صارت البسملة المشتملة على تأكيد رحمته من خلال رحمانيته ورحيميته عنواناً تُفتتح بها سُوَرُه، وتُفْهم في سياقها قضاياه ومسائله، وتتحقق من خلال معانيها مقاصده.
الرحمة مراد الله بخلقه
إنه لا سبيل للعمل بالدين المحقق للحياة الطيبة إلا من خلال مُراعاة مراد الله سبحانه أن يتقلب خلقه في رحمته التي اقتضى جُودُه وتَفَضُّلُه أن يكتبها مُوجِباً على نفسه تَفَضُّلاً مُعامَلَةَ خَلْقِهِ بواسطتها؛ قال تعالى: ﴿قل لمن ما في السماوات والارض قل لله كَتَبَ على نفسه الرحمة﴾ [الأنعام: 13]؛ يقول العلامة أبو السعود: « وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ داخِلَةٌ تَحْتَ الأمْرِ، ناطِقَةٌ بِشُمُولِ رَحْمَتِهِ الواسِعَةِ لِجَمِيعِ الخَلْقِ، شُمُولَ مُلْكِهِ وقدرته لِلْكُلِّ، مَسُوقَةٌ لِبَيانِ أنَّهُ تَعالى رَءُوفٌ بِعِبادِهِ لا يُعَجِّلُ عَلَيْهِمْ بِالعُقُوبَةِ، ويَقْبَلُ مِنهُمُ التَّوْبَةَ والإنابَةَ.
وَأنَّ ما سَبَقَ ذِكْرُهُ وما لَحِقَ مِن أحْكامِ الغَضَبِ لَيْسَ مِن مُقْتَضَياتِ ذاتِهِ تَعالى، بَلْ مِن جِهَةِ الخَلْقِ، كَيْفَ لا ومِن رَحْمَتِهِ أنْ خَلَقَهم عَلى الفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ، وهَداهم إلى مَعْرِفَتِهِ وتَوْحِيدِهِ بِنَصْبِ الآياتِ الأنْفُسِيَّةِ والآفاقِيَّةِ، وإرْسالِ الرُّسُلِ، وإنْزالِ الكُتُبِ المَشْحُونَةِ بِالدَّعْوَةِ إلى مُوجِباتِ رِضْوانِهِ، والتَّحْذِيرِ عَنْ مُقْتَضَياتِ سُخْطِهِ، وقَدْ بَدَّلُوا فِطْرَةَ اللَّهِ تَبْدِيلاً، وأعْرَضُوا عَنِ الآياتِ بِالمَرَّةِ، وكَذَّبُوا بِالكُتُبِ، واسْتَهْزَءُوا بِالرُّسُلِ، وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ولَكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ.
وَلَوْلا شُمُولُ رَحْمَتِهِ لِسَلَكَ بِهَؤُلاءِ أيْضًا مَسْلَكَ الغابِرِينَ، ومَعْنى كَتَبَ الرَّحْمَةَ عَلى نَفْسِهِ: أنَّهُ تَعالى قَضاها وأوْجَبَها بِطَرِيقِ التَّفَضُّلِ والإحْسانِ عَلى ذاتِهِ المُقَدَّسَةِ بِالذّاتِ، لا بِتَوَسُّطِ شَيْءٍ أصْلاً.
وَقِيلَ هو ما رُوِيَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: « لَمّا قَضى اللَّهُ تَعالى الخَلْقَ كَتَبَ في كِتابٍ، فَهو عِنْدَهُ فَوْقَ العَرْشِ: إنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي« ، (…)
وَمَعْنى سَبْقِ الرَّحْمَةِ وغَلَبَتِها: أنَّها أقْدَمُ تَعَلُّقاً بِالخَلْقِ وأكْثَرُ وُصُولاً إلَيْهِمْ، مَعَ أنَّها مِن مُقْتَضَياتِ الذّاتِ المُفِيضَةِ لِلْخَيْرِ ».
الرحمة وطبع الرسول عليها
إن من مقتضيات كتابة الله على نفسه الرحمة بِخَلْقِه أن طبع عليها رسوله ﷺ واسِطَةً يفعل مِن خلالها من باب ترتيب بعض أفعاله على ما أودعه في العالم مِن قُوَى؛ ليكون خُلُقُ الرَّحْمَةِ من الرسول ﷺ وسيلةَ الشارعِ العظيمة لتجسيد مُراد الله في حياة الناس، ومِن ثَمَّ دافِعاً كبيراً لإقبالهم على شريعته؛ قال تعالى: ﴿فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك﴾ [آل عمران: 159]؛ يقول العلامة ابن عاشور: « ودَلَّ فِعْلُ المُضِيِّ في قَوْلِهِ « لِنْتَ » عَلى أنَّ ذَلِكَ وصْفٌ تَقَرَّرَ وعُرِفَ مِن خُلُقِهِ، وأنَّ فِطْرَتَهُ عَلى ذَلِكَ بِرَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ إذْ خَلَقَهُ كَذَلِكَ و﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالاتِهِ﴾ [الأنعام: 125]، فَخُلُقُ الرَّسُولِ مُناسِبٌ لِتَحْقِيقِ حُصُولِ مُرادِ اللَّهِ تَعالى مِن إرْسالِهِ، لِأنَّ الرَّسُولَ يَجِيءُ بِشَرِيعَةٍ يُبَلِّغُها عَنِ اللَّهِ تَعالى، فالتَّبْلِيغُ مُتَعَيّنٌ لا مُصانَعَةَ فِيهِ، ولا يَتَأثَّرُ بِخُلُقِ الرَّسُولِ، وهو أيْضاً مَأْمُورٌ بِسِياسَةِ أُمَّتِهِ بِتِلْكَ الشَّرِيعَةِ، وتَنْفِيذِها فِيهِمْ، وهَذا عَمَلٌ لَهُ ارْتِباطٌ قَوِيٌّ بِمُناسَبَةِ خُلُقِ الرَّسُولِ لِطِباعِ أُمَّتِهِ حَتّى يُلائِمَ خُلُقَهُ الوَسائِلُ المُتَوَسَّلُ بِها لِحَمْلِ أُمَّتِهِ عَلى الشَّرِيعَةِ النّاجِحَةِ في البُلُوغِ بِهِمْ إلى مُرادِ اللَّهِ تَعالى مِنهم ».
ولأجل ظهور تلك الفطرة المتكيفة بالرحمة في ذات رسول الله ﷺ؛ قال الله تعالى في وصفه الجامع المشتمل على غاية مدحه لتلك الذات المتحدة بالرحمة مبينا انحصار رسالة صاحبها فيها: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾ [الأنبياء: 106]؛ يقول العلامة ابن عاشور: « واعْلَمْ أنَّ انْتِصابَ (رَحْمَةً) عَلى أنَّهُ حالٌ مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِ يَجْعَلُهُ وصْفاً مِن أوْصافِهِ، فَإذا انْضَمَّ إلى ذَلِكَ انْحِصارُ المَوْصُوفِ في هَذِهِ الصِّفَةِ صارَ مِن قَصْرِ المَوْصُوفِ عَلى الصِّفَةِ؛ فَفِيهِ إيماءٌ لَطِيفٌ إلى أنَّ الرَّسُولَ اتَّحَدَ بِالرَّحْمَةِ وانْحَصَرَ فِيها، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ عُنْوانَ الرَّسُولِيَّةِ مُلازِمٌ لَهُ في سائِرِ أحْوالِهِ؛ فَصارَ وُجُودُهُ رَحْمَةً وسائِرُ أكْوانِهِ رَحْمَةً ».
إنه لم يكتف الله جل وعلا بكون الرحمة عنوان الدين الأكبر، والمعنى الساري في أحكامه والأظهر، بل شفع ذلك بأن جعلها صفة متمكنة من نبيه ﷺ تخالط ذاته الشريفة بما هو الواسطة في التعريف بالدين، والحجة على الخلق في الفهم والتنزيل؛ يقول العلامة ابن عاشور في وقوع وصف الرحمة مَصْدَراً في قوله تعالى: ﴿رَحْمَةً للعالمين﴾: « ووُقُوعُ الوَصْفِ مَصْدَراً يُفِيدُ المُبالَغَةَ في هَذا الِاتِّحادِ بِحَيْثُ تَكُونُ الرَّحْمَةُ صِفَةً مُتَمَكِّنَةً مِن إرْسالِهِ، ويَدُلُّ لِهَذا المَعْنى ما أشارَ إلى شَرْحِهِ النَّبِيءُ ﷺ بِقَوْلِهِ « إنَّما أنا رَحْمَةٌ مُهْداةٌ« .
وتَفْصِيلُ ذَلِكَ يَظْهَرُ في مَظْهَرَيْنِ:
فَأمّا المَظْهَرُ الأوَّلُ فَقَدْ قالَ فِيهِ أبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ طاهِرٍ القَيْسِيُّ الإشْبِيلِيُّ أحَدُ تَلامِذَةِ أبِي عَلِيٍّ الغَسّانِيِّ ومِمَّنْ أجازَ لَهم أبُو الوَلِيدِ الباجِيُّ مِن رِجالِ القَرْنِ الخامِسِ: « زَيَّنَ اللَّهُ مُحَمَّداً ﷺ بِزِينَةِ الرَّحْمَةِ؛ فَكانَ كَوْنُهُ رَحْمَةً، وجَمِيعُ شَمائِلِهِ رَحْمَةً، وصِفاتُهُ رَحْمَةً عَلى الخَلْقِ » اهـ.، ذَكَرَهُ عَنْهُ عِياضٌ في الشِّفاءِ.
قُلْتُ: يَعْنِي أنَّ مُحَمَّداً ﷺ فُطِرَ عَلى خُلُقِ الرَّحْمَةِ في جَمِيعِ أحْوالِ مُعامَلَتِهِ الأُمَّةَ لِتَتَكَوَّنَ مُناسَبَةٌ بَيْنَ رُوحِهِ الزَّكِيَّةِ وبَيْنَ ما يُلْقى إلَيْهِ مِنَ الوَحْيِ بِشَرِيعَتِهِ الَّتِي هي رَحْمَةٌ حَتّى يَكُونَ تَلَقِّيهِ الشَّرِيعَةَ عَنِ انْشِراحِ نَفْسٍ أنْ يَجِدَ ما يُوحَى بِهِ إلَيْهِ مُلائِماً رَغْبَتَهُ وخُلُقَهُ. قالَتْ عائِشَةُ: « كانَ خُلُقُهُ القُرْآنَ« ، ولِهَذا خَصَّ اللَّهُ مُحَمَّداً ﷺ في هَذِهِ السُّورَةِ بِوَصْفِ الرَّحْمَةِ ولَمْ يَصِفْ بِهِ غَيْرَهُ مِنَ الأنْبِياءِ، وكَذَلِكَ في القُرْآنِ كُلِّهِ؛ قالَ تَعالى: ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن انْفُسِكم عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكم بِالمُومِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: 129]، وقالَ تَعالى: ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران: 159]؛ أيْ بِرَحْمَةٍ جَبَلَكَ عَلَيْها وفَطَرَكَ بِها فَكُنْتَ لَهم لَيِّناً. وفي حَدِيثِ مُسْلِمٍ: « أنَّ رَسُولَ اللَّهِ لَمّا شُجَّ وجْهُهُ يَوْمَ أُحُدٍ شَقَّ ذَلِكَ عَلى أصْحابِهِ فَقالُوا: لَوْ دَعَوْتَ عَلَيْهِمْ، فَقالَ: إنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعّاناً وإنَّما بُعِثْتُ رَحْمَةً« .
وأمّا المَظْهَرُ الثّانِي مِن مَظاهِرِ كَوْنِهِ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ فَهو مَظْهَرُ تَصارِيفِ شَرِيعَتِهِ؛ أيْ ما فِيها مِن مُقَوِّماتِ الرَّحْمَةِ العامَّةِ لِلْخَلْقِ كُلِّهِمْ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى (لِلْعالَمِينَ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ (رَحْمَةً) ».
اكتمال الرحمة في رسالة الإسلام
ولما كان الإسلام آخر دين أنزله الله تعالى خاتما به رسالاته؛ فقد اقتضت حكمة الله أن يكون مشتملا على غاية الرحمة ليُناسِب ما بلغته البشرية من اكتمال نضجها المستدعي لنوع خصوصية تقتضي مزيد التوسعة عليها؛ قال تعالى: ﴿ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويُوتُون الزكاة والذين هم بآياتنا يومنون الذين يتبعون الرسول النبيء الامي﴾ [الأعراف: 156-157]؛ يقول العلامة ابن عاشور: « فَفي قَوْلِهِ تَعالى ﴿وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ المُرادَ رَحْمَةٌ هي عامَّةٌ فامْتازَتْ شَرِيعَةُ الإسْلامِ بِأنَّ الرَّحْمَةَ مُلازِمَةٌ لِلنّاسِ بِها في سائِرِ أحْوالِهِمْ، وأنَّها حاصِلَةٌ بِها لِجَمِيعِ النّاسِ لا لِأُمَّةٍ خاصَّةٍ ».
ثم بين رحمه الله أثر الصيرورة التاريخية وما يُناسبها مِن امتياز شريعة الإسلام بعموم خاصية الرحمة، وما تستلزمه تلك الخاصية من تيسير ورفق وسماحة ورفع للحرج في أحكامها: « وحِكْمَةُ تَمْيِيزِ شَرِيعَةِ الإسْلامِ بِهَذِهِ المَزِيَّةِ أنَّ أحْوالَ النُّفُوسِ البَشَرِيَّةِ مَضَتْ عَلَيْها عُصُورٌ وأطْوارٌ تَهَيَّأتْ بِتَطَوُّراتِها لِأنْ تُساسَ بِالرَّحْمَةِ وأنْ تُدْفَعَ عَنْها المَشَقَّةُ إلّا بِمَقادِيرَ ضَرُورِيَّةٍ لا تُقامُ المَصالِحُ بِدُونِها، فَما في الشَّرائِعِ السّالِفَةِ مِنِ اخْتِلاطِ الرَّحْمَةِ بِالشِّدَّةِ وما في شَرِيعَةِ الإسْلامِ مِن تَمَحُّضِ الرَّحْمَةِ لَمْ يَجْرِ في زَمَنٍ مِنَ الأزْمانِ إلّا عَلى مُقْتَضى الحِكْمَةِ، ولَكِنَّ اللَّهَ أسْعَدَ هَذِهِ الشَّرِيعَةَ والَّذِي جاءَ بِها والأُمَّةَ المُتَّبِعَةَ لَها بِمُصادَفَتِها لِلزَّمَنِ والطَّوْرِ الَّذِي اقْتَضَتْ حِكْمَةُ اللَّهِ في سِياسَةِ البَشَرِ أنْ يَكُونَ التَّشْرِيعُ لَهم تَشْرِيعَ رَحْمَةٍ إلى انْقِضاءِ العالَمِ.
فَأُقِيمَتْ شَرِيعَةُ الإسْلامِ عَلى دَعائِمِ الرَّحْمَةِ والرِّفْقِ واليُسْرِ. قالَ تَعالى: ﴿وما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ﴾ [الحج: 76]، وقالَ تَعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾ [البقرة: 184] وقالَ النَّبِيءُ ﷺ « بُعِثْتُ بِالحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ« ».
إن الرحمة غاية عظيمة ينبغي أن تتلون بها هدايات الدين المحمولة للعالمين حتى تحقق السعادة في حياة الناس، وذلك من جهتين:
هذا والله ولي التوفيق والهادي إلى أقوم طريق.
عدنان ز الدرس الثالث ذ. هار
خطة ميثاق العلماء أعلام المغرب: سيدي دراس بن إسماعيل الفاسي (ت 357 هـ) – العالم الولي
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حق حمده، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خير أنبيائه ورسله، وعلى آله وصحبه، ومن اقتدى بهم من بعده، أما بعد،
[لمحة عن تاريخ المذهب المالكي في المغرب]
سبق إلى المغرب مذاهب فقهية كثيرة قبل المذهب المالكي، وخصوصًا مذهب الأوزاعي ومذهب أبي حنيفة رحمهما الله تعالى. وبعد أن بدأت رحلات أعلام المغرب إلى البلاد المشرقية للاستزادة من الرواية وتحصل مرات أخرى في الدراية، كان اللقاء في أواسط القرن الثاني يتزايد على إمام الحجاز عمومًا، وإمام المدينة المنورة خصوصًا مالك بن أنس، وبدأت علاقة المغاربة به تتمكن لخصائص كثيرةٍ في مذهبه، كانت مناسبةً وموافقةً للتدين المغربي.
ثم بعد ذلك أدخل عامر بن محمد بن سعيد القيسي – قاضي إدريس بن إدريس – كتابَ «الموطأ» لمالك بن أنس، فتعلقت أنفاس المغاربة بالمذهب المالكي وتشبثوا به، وزاد طلبُهم لأصوله وفروعه، حتى صار مذهبًا رسميًا لهم في القضاء والفتوى والفقه.
1– «مقدمة ابن خلدون» 568/1.
الدرس الثالث: أعلام المغرب 1 دراس بن إسماعيل (ت 357 هـ)
ثم دخلت «المدونة» إلى المغرب على يد دراس بن إسماعيل، الذي كانت له اليد البيضاء في توطيد وترسيخ أصول المذهب في هذه البلاد.
[مختصر ترجمة دراس بن إسماعيل]
1: أبو ميمونة دراس بن إسماعيل، عالم فاس
قال العلامة محمد بن جعفر الكتاني في «سلوة الأنفاس»:
في عصره، الشيخ العلامة الفاضل، الحافظ الحجة الكامل، الولي الصالح، الهمام الواضح، أحد أوتاد المغرب، وممن أدخل مذهب مالك بلاد المغرب، وكان الغالب عليه في القديم مذهب الكوفيين.
وسُمي دراسًا لكثرة دراسته للعلم. اهـ.
2: وقال أبو الحسن الجزنائي في «جنى زهرة الآس»:
وقد سمع من شيوخ بلده بفاس، وبإفريقيةَ من أبي بكر ابن اللباد، وسمع بالإسكندرية من علي بن أبي مطر كتاب ابن المواز، وحدث به بالقيروان، سمعه منه ابن أبي زيد القيرواني وأبو الحسن القابسي.
ودخل دراس الأندلس، فسمع من أبي الفرج عبدوس بن خلف، وغيره…
أيضًا دخل الأندلسَ جامعًا بين طلب العلم والرباط في الثغور.
3: وذكر القاضي عياض في «الترتيب»:
مجاهدا. قال: وأراه دخل بلدنا – يعني سبتة.
وهكذا كانت بدايةُ هذا العالم الجليل، الذي أسس بإخلاصه في الطلب ونشاطه في التحصيل ورِحْلاته الطويلة والمتعددة عهدًا جديدًا في التدين المغربي، ببنائه لِلَّبناتِ المذهب المالكي الأولى، بعد أن تشبع بأصول هذا المذهب السني، واعتقد في صلاحيته للجواب عن قضايا الناس الدينية والدنيوية، مع ضمان التحقيق بأحكام الشريعة ومقاصدها، إضافة لما تميز به من روح التيسير ورفع الحرج الذي هو من أسسها وأصولها.
1– «سلوة الأنفاس» للكتاني 197/2
2– «جنى زهرة الآس» للجزنائي 21-20
3– «ترتيب المدارك» 81/6
الدرس الثالث: أعلام المغرب 2 دراس بن إسماعيل (ت 357 هـ)
كما أنه لم يكن بمنأى ولا عزلةٍ عن قضايا أمته الكبرى، حتى إنه خرج للأندلس مرابطًا في الثغور، حين دعا لذلك داعي الجهاد بأمر من إمام الوقت، ولم يمنعه الجهادُ أيضًا من السير قدمًا لتحقيق غرض مشروعه العلمي الكبير في جمع الأصول التي تؤثث البيت المالكي بالمغرب وتؤصل لمباحثه.
[دراس بن إسماعيل في أعين العلماء والمؤرخين]
1: كان أبو ميمونةَ من الحفّاظ المعدودين، والأئمة المبرزين من أهل الفضل والدين.
قال أبو بكر المالكي:
ولما طرأ إلى القيروان، اطلع الناسُ من حفظه على أمر عظيم، حتى كان يقال: ليس في وقته أحفظ منه؛ وكان نزولُه عند ابن أبي زيد، وظهر تقصيره بأهل القيروان، وشفوفه على كثير منهم. اهـ.
2: وقال أبو الوليد ابن الفرَضي في «تاريخ علماء الأندلس»:
كان: فقيهاً حافظاً للرأي على مذهب مالك. اهـ.
3: وقال أبو الوليد الباجي:
كان شيخًا صالحًا. اهـ.
4: وقال الكتاني في «السلوة»:
ولما ذكر الشيخ أبو عبد الله محمد بن أحمد اليتني في تقييد له في القبلة، رد به على الجوري، بخصوص محراب القرويين، وأنه لا انحراف فيه؛ جعل يذكر الشيخ أبي زيد عبد الرحمن التاجوري، وكالشيخ أبي ميمونة، حاف ظ كبير وعالم جليل. اهـ.
5: ثم قال الكتاني:
وكان رحمه الله عارفًا عابدًا ورعًا زاهدًا. اهـ.
6: وذكروا له في هذا قصصًا عجيبة وأمورًا مستحسنة. ومن شهادات العلماء في دراس نستخلص الفوائد الآتية:
1– «سلوة الأنفاس» للكتاني 198/2
2– «تاريخ علماء الأندلس» لابن الفرَضي 173/1
3– «سلوة الأنفاس» للكتاني 198/2
4: وقال الكتاني في «السلوة» 198/2
5: قال مخلوف في «شجرة النور الزكية» 409/1 -6 «سلوة الأنفاس» للكتاني 198/2
الدرس الثالث: أعلام المغرب 3 دراس بن إسماعيل (ت 357 هـ)
إن دراسًا بلغ ما بلغ بالاجتهاد والفطنة والذكاء، حتى أدرك درجة الحفاظ المتقنين، سواء في علم الرواية أو في علم الدراية.
شهادة أهل القيروان له بالتفرد في مراتبَ عاليةٍ فقهًا وحديثًا، دليل على أنه سُقِي بالعلوم والمعارف في فاس التي كانت حاضرة العلم والمعرفة بشيوخها ومدارسها ومناهج علمائها، فخرج منها أستاذًا، وإن كان يُبدي أن غرضه في الخروج الطلب لا التعليم.
ولا يخفى ما في شهادة ابن الفرضي لدراس، وفاؤه بالمذهب الذي نشأ في بيئته واقتنع بأصوله وأرجحيته، فصار جامعًا لشتاته محافظًا على أصوله وواصلًا الشرق والغرب بمصادره.
ولا يخفى ما في شهادة الباجي لدراس أيضًا بالصلاح، أن العالم المستصحبَ مع علمه صلاحَ القلب هو العالمُ النافع المؤثر الذي يبقى ذكرُه بالخير في العالمين؛ ولذلك قال الشيخ أبو عبد الله محمد بن أحمد اليتني:
وأقدم من عرفناه بهذه الديار من العلماء الزهاد، سيدي دراس بن إسماعيل الفاسي. اهـ.
وأما قصة اليتني مع التاجوري في استدلال الأول على صحة قبلة جامع القرويين بصلاة دراس بن إسماعيل فيه دون نكير، دليل على أنه حجة في نفسه بفعله، فضلاً أن يكون حجة في أمور الشريعة بأدلته وبراهينه، ومثل هذا الاحتجاج من اليتني لا يكون إلا بمثل الأفراد من هذه الأمة الجامعين بين العلم والورع والصلاح والتقوى، كما عبر عنه الكتاني في «السلوة».
[وفاة دراس بن إسماعيل]
قال أبو الحسن الجزنائي في «جنى زهرة الآس»:
1: وذكر ابن اللبّان، أن رجلاً رأى في المنام – بالرّمادة، وكان منصرفًا من الحج – السماء والأرض يبكيان، فسأل عن ذلك، فقيل له: مات أبو ميمونة دراس بن إسماعيل. اهـ.
2: وتوفي بفاس بلده، سنة سبع وخمسين وثلاثمائة، كما قال ابن الفرَضي.
[قصة ابن أبي زيد في زيارته لدراس]
قال الكتاني في «سلوة الأنفاس»:
يحكى أن أبا محمد ابن أبي زيد القيرواني قدِم إلى فاس لزيارة دراس بن إسماعيل، فوجده قد توفي في ذلك اليوم، فحضر جنازته وأقام بقبره ثلاثة أيام، ولما أراد الرحيل أنشد:
يَا حَادِقِ ْف بِالمَقَابِرِ لِلت وْدِيع فَإ ن فِي َجوْفِهَا قَلْبِي وََأكْباَدِ ه
ربه على دراس وتقبل منه وأعلى مرتبته آمين، والحمد لله رب العالمين.
1– «تاريخ علماء الأندلس» لابن الفرَضي 173/1
2 – «سلوة الأنفاس» للكتاني 198/2
الدرس الثالث: أعلام المغرب 5 دراس بن إسماعيل (ت 357 )هـ
آداب إسلامية وتنبيهات نبوية
نص الحديث:
عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: « إن الله عزَّ وجلَّ حرَّم عليكم عقوق الأمهات، ووَأْدَ البنات، ومَنْعًا وهات، وكره لكم ثلاثًا: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال. »
تخريج الحديث:
الحديث أخرجه: الإمام البخاري في صحيحه، كتاب الأدب، باب عقوق الوالدين من الكبائر برقم:(5975). والإمام مسلم في صحيحه، كتاب الأقضية، باب النهي عن كثرة المسائل من غير حاجة، والنهي عن منع وهات، وهو الامتناع عن أداء حقٍّ لَزِمَه، أو طَلَبِ ما لا يستحقُّه. برقم:(593) وابن خزيمة وابن حبان في « صحيحيهما والإمام الدارمي في « مسنده » والإمامان أبو داود والنسائي في « سننهما » وغيرهما …
والحديث بمنصة محمد السادس للحديث النبوي الشريف تحت رقم الحديث:(2896)
ترجمة الصحابي:
أبو عبد الله المغيرة بن شعبة الثقفي ويقال أبو عيسى صحابي مشهور أسلم قبل الحديبية وولي إمرة البصرة ثم الكوفة، كان من دهاة قريش، «وكان يقال له: مغيرة الرأي؛ لكمال عقله ودهائه»
«أسلم عام الخندق، روى له الجماعة، رُوي له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مئة وستة وثلاثون حديثًا، اتفقا على تسعة، وللبخاري حديث، ولمسلم حديثان. روى عنه: المِسْوَر بن مخرمة، وقيس بن أبي حازم، ومسروق بن الأجدع، وعُروة بن الزبير، وبنوه: عروة وحمزة وعقَّار بنو المغيرة، ومولاه وَرَّاد، وزياد بن عِلاقة، وعلي بن ربيعة الوَالبي، وأبو إدريس الخولاني، والشعبي، وأبو وائل شقيق بن سلمة، وغيرهم. مات سنة خمسين، وقيل: سنة إحدى وخمسين. »
معنى الحديث:
هذا الحديث النبوي الشريف تضمن توجيهات وتنبيهات، فقد حذرنا مولانا رسول الله من مخالفات وكبائر، من تجنبنا ابتعد عن المهالك وعن مساؤئ الأخلاق، ومن وقع فيها -عياذا بالله- فقد هلك.
وهذه المحذورات هي:
أولا: إن الله عزَّ وجلَّ حرَّم عليكم عقوق الأمهات:
إن الله جل في علاه حرم ونهى عن عقوق الأمهات، وعقوقهن: عصيانهن والخروج عليهن، ومُخَالَفَتُهُنَّ فِيمَا يَدْعُونَ إِلَيْهِ مِنَ الصَّلَاحِ، و »الامتناع من طاعتهن فيما يحسُن »، والعقوق من الكبائر بلا خلاف، وَأَصْلُ العُقُوقِ: القَطْعُ، مِنْ قَوْلِهِمْ: عَقَّ الشَّيْء، أَيْ: قَطَعَهُ، فَكَأَنَّ العَاقَّ لِأُمِّهِ قَدْ قَطَعَ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا مِنْ صِلَةِ الرَّحِمِ. قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: عَقَّ الرَّجُلُ ثَوْبَهُ يَعُقُّهُ، أَيْ: شَقَّهُ»
وَقَدْ تَظَاهَرَتِ الآيات القرآنية الكريمة والْأَحَادِيثُ النبوية الصَّحِيحَةُ عَلَى عَدِّهِ مِنَ الْكَبَائِرِ وَكَذَلِكَ عُقُوقُ الْآبَاءِ مِنَ الْكَبَائِرِ؛ فقد ورد في رواية عند الإمام مسلم بدل » الأمهات » « الوالد » «إِنَّ اللهَ حَرَّمَ ثَلَاثًا، وَنَهَى عَنْ ثَلَاثٍ؛ حَرَّمَ عُقُوقَ الْوَالِدِ، وَوَأْدَ الْبَنَاتِ، وَلَا وَهَاتِ، وَنَهَى عَنْ ثَلَاثٍ؛ قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةِ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةِ الْمَالِ» والمراد به الجنسين من الذكر والأنثى – والله أعلم -»
وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ الحديث على ذكر الْأُمَّهَاتِ لقبح أذاهن وشناعته وبشاعته، وخصهن بِالذكر لِأَنَّ أَكْثَرَ الْعُقُوقِ يَقَعُ لهن، وَيَطْمَعُ الْأَوْلَادُ فِيهِنَّ، ولِأَنَّ حُرْمَتَهُنَّ آكَدُ مِنْ حُرْمَةِ الْآبَاءِ، و »لعظم حقهن، وحقهن مقدم على حق الْأَب كَمَا قدمهن فِي الْبر، وَإِنَّمَا يُخَصُّ الشَّيْء بِالذكر مِن بَين جنسه لِمَعْنى فِيهِ يزِيد على غَيره»
وقد ورد التحذير في القرآن الكريم:
وفي الحديث النبوي الشريف:
ثانيا:وَأْد البنات:
وأصل الوأد في اللغة: الثِّقْلُ. يقال: وَأَدَهُ يَئِدُهُ وَأْداً: إذا أثقله، فكأنه يُثْقِلُ المولودة بالتراب. ومنه: وَلَا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا [البقرة: 255] والموءودة هي «الْجَارِيَةُ الْمَدْفُونَةُ حَيَّةً، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِمَا يُطْرَحُ عَلَيْهَا من التراب فيؤدها، أَيْ يُثْقِلُهَا حَتَّى تَمُوتَ، وَكَانَتِ الْعَرَبُ تَدْفِنُ الْبَنَاتَ حَيَّةً مَخَافَةَ الْعَارِ وَالْحَاجَةِ»
قال تعالى: وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ التكوير 8-9 وفي قراءة وَإذَا المَوْءُودَةُ سألَتْ بِأيّ ذَنْبٍ قُتلَتْ بمعنى: سألت الموءودة الوائدين: بأي ذنب قتلوها» « وَهُوَ مِنَ الْكَبَائِرِ الْمُوبِقَاتِ لِأَنَّهُ قَتْلُ نَفْسٍ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَتَضَمَّنُ أَيْضًا قَطِيعَةَ الرَّحِمِ وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَى الْبَنَاتِ لِأَنَّهُ الْمُعْتَادُ الَّذِي كَانَتِ الْجَاهِلِيَّةُ تَفْعَلُهُ » وكانوا يقتلون أولادهم تخفيفًا للمؤنة خشية الإملاق كما ورد في كتاب الله تعالى: وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ [الْإِسْرَاءِ: 31] «وَكَانَ صَعْصَعَةُ بْنُ نَاجِيَةَ مِمَّنْ مَنَعَ الْوَأْدَ فَافْتَخَرَ الْفَرَزْدَقُ بِهِ فِي قَوْلِهِ: وَمِنَّا الَّذِي مَنَعَ الْوَائِدَاتِ … فَأَحْيَا الْوَئِيدَ فَلَمْ تُوأَدِ»
وهنا لابد من التحذير من الوأد الجديد أو الوأد الخفي للبنات، وذلك بالتفريط في حقوقهن ، وعدم تعليمهن، وعدم الحرص على تربيتهن التربية الصحيحة.
ثالثا:ومَنْعًا وهات:
وفي رواية: « ومنْع وهات » بدون تنوين، وفي أخرى « ولا وهات« ، مكان: منعا
قال الإمام ابن مالك النحوي رحمه الله تعالى: «ويمكن أن يكون الأصل. ومنع حق وهاتِ، فحذف المضاف إليه وبقيت هيئة الاضافة»
وفي الحديث إشارة إلى « الجَموع المنوع » الذي يأخذ ولا يعطي، يطلب ما ليس له وما لا حق له فيه، وما لا يحل له، ولا يعطي ما يجب عليه،
فمن التطفيف المنهي عنه: استفراغ الجهد في طلب الحقوق والتنافس على تحقيق المكاسب، والفتور والتكاسل والتقصير والتباطؤ في أداء الواجبات، والفرار والتهرب منها، بل وتضييعها في كثير من الأحيان.
وكره لكم ثلاثًا:
«وَفِي قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم حَرَّمَ ثَلَاثًا وَكَرِهَ ثَلَاثًا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْكَرَاهَةَ فِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ الْأَخِيرَةِ لِلتَّنْزِيهِ لَا لِلتَّحْرِيمِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ»
أولا:قيل وقال: والمراد بالقيل والقال «الْخَوْضُ فِي أَحَادِيثِ النَّاسِ الَّتِي لَا فَائِدَةَ فِيهَا، وَإِنَّمَا جُلُّهَا لغَلَطٌ، وَحَشْوٌ، وَغِيبَةٌ، وَمَا لَا يُكْتَبُ فِيهِ حَسَنَةٌ، وَلَا يسلم الْقَائِلُ وَالْمُسْتَمِعُ فِيهِ مِنْ سَيِّئِهِ»
قال الإمام ابن الملقن رحمه الله تعالى:«فائدة: وهذا النهي لا بد فيه من تقييده بالكثرة التي لا يؤمن معها وقوع الخطل والخطأ والتسبب إلى وقوع المفاسد من غير يقين والإِخبار بالأمور الباطلة، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « كفى بالمرء إثمًا أن يُحدِّثَ بكل ما سمع ». وقال بعض السلف: لا يكون إمامًا من حدَّث بكل ما سمع»
وقال الإمام ابن عبد البر :«فمعنى: « قيل وقال » -واللَّهُ أعلم- الحديثُ بما لا معنى لهُ ولا فائدةَ فيه من أحاديثِ الناس التي أكثَرُها غِيبةٌ ولَغَطٌ وكذِبٌ، ومَنْ أكثرَ مِنَ القيلِ والقالِ مع العامةِ لم يسلَمْ من الخوضِ في الباطل، ولا من الاغتياب، ولا من الكذِب. واللَّهُ أعلم»
ثانيا: وكثرة السؤال: العمليات، الماليات والماديات
«يعني: كثرة السؤال من العلماء فيما لا حاجةَ لكم فيه من ، فأما إذا سألتم ما تحتاجون إليه،
وإنما ورد النهي هنا عن كثرة السؤال، فلا بأس بالسؤال عما يحتاج إليه، وما ينفع، وما في تعلُّمهِ خيرٌ وثوابٌ، فلا يُكْرَه كثرةُ السؤال من هذا العلم، بل يُستحَبُّ» مع التزام الآداب والضوابط التي وضعها أهل العلم، أما أسئلة التنطع والمعاندة والمعارَضة وأسئلة الترف الفكري فمنهي عنها كما سنبين، واختلف العلماء في الأسئلة المنهي عنها، والمراد بها على أقوال منها:
«وَأَمَّا كَثْرَةُ السُّؤَالِ فَقِيلَ:
ثالثا:وإضاعة المال:
والمقصود بإضاعة المال ، «صَرْفُهُ فِي غَيْرِ وُجُوهِهِ الشَّرْعِيَّةِ وَتَعْرِيضُهُ لِلتَّلَفِ، وَسَبَبُ النَّهْيِ أَنَّهُ إِفْسَادٌ، وَاللَّهُ لَا يجب الْمُفْسِدِينَ؛ وَلِأَنَّهُ إِذَا أَضَاعَ مَالُهُ تَعَرَّضَ لِمَا فِي أَيْدِي النَّاسِ» فما أنفق في غير وجهه المأذون فيه شرعًا محرم وممنوع منه؛ لأنه تبذير، وتفويت لمصالح العبادولا تبذر تبذيرا إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا
وقد قال العلماء: »لا سرف في الخير، كما لا خير في السرف ».
«اختلف العلماء في إضاعة المال؛ فقال سعيد بن جبير: إضاعة المال أن يرزقك الله رزقا فتنفقه فيما حرم الله عليك. وكذلك. قال مالك، قال المهلب: وقيل: إضاعة المال: السرف في إنفاقه وإن كان فيما يحل، ألا ترى أن النبي رد تدبير المعدم؛ لأنه أسرف على ماله فيما يحل له ويؤجر فيه، لكنه أضاع نفسه، وأجره في نفسه أوكد عليه من أجره في غيره»
«وَأما إِضَاعَة المَال فَيكون من وُجُوه أمهاتها أَرْبَعَة:
أَحدهمَا: أَن يتْركهُ من غير حفظ لَهُ فيضيع.
وَالثَّانِي: أَن يتلفه إِمَّا بِتَرْكِهِ إِذا كَانَ طَعَاما حَتَّى يفْسد، أَو يرميه إِن كَانَ يَسِيرا كبرا عَن تنَاول الْقَلِيل، أَو بِأَن يرضى بِالْغبنِ، أَو بِأَن ينْفق فِي الْبناء واللباس والمطعم مَا هُوَ إِسْرَاف.
وَالثَّالِث:أَن يُنْفِقهُ فِي الْمعاصِي، فَهَذَا تَضْييع من حَيْثُ الْمَعْنى.
وَالرَّابِع: أَن يسلم مَال نَفسه إِلَى الخائن، أَو مَال الْيَتِيم إِلَيْهِ إِذا بلغ مَعَ علمه بتبذيره»
«وَأَمَّا » إضَاعَةُ الْمَالِ » فَحَقِيقَتُهُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهَا: بِذَلِكَ فِي غَيْرِ مَصْلَحَةٍ دِينِيَّةٍ أَوْ دُنْيَوِيَّةٍ. وَذَلِكَ مَمْنُوعٌ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ الْأَمْوَالَ قِيَامًا لِمَصَالِحِ الْعِبَادِ. وَفِي تَبْذِيرِهَا تَفْوِيتٌ لِتِلْكَ الْمَصَالِحِ، إمَّا فِي حَقِّ مُضَيِّعِهَا، أَوْ فِي حَقِّ غَيْرِهِ. وَأَمَّا بَذْلُهُ وَكَثْرَةُ إنْفَاقِهِ فِي تَحْصِيلِ مَصَالِحِ الْأُخْرَى فَلَا يَمْتَنِعُ مِنْ حَيْثُ هُوَ وَقَدْ قَالُوا: لَا سَرَفَ فِي الْخَيْرِ. وَأَمَّا إنْفَاقُهُ فِي مَصَالِحِ الدُّنْيَا، وَمَلَاذِّ النَّفْسِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَلِيقُ بِحَالِ الْمُنْفِقِ، وَقَدْرِ مَالِهِ: فَفِي كَوْنِهِ سَفَهًا خِلَافٌ، وَالْمَشْهُورُ: أَنَّهُ سَفَهٌ. وَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: لَيْسَ بِسَفَهٍ. لِأَنَّهُ يُقَوِّمُ بِهِ مَصَالِحَ الْبَدَنِ وَمَلَاذِّهِ، وَهُوَ غَرَضٌ صَحِيحٌ. وَظَاهِرُ الْقُرْآنِ يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ. وَالْأَشْهَرُ فِي مِثْلِ هَذَا: أَنَّهُ مُبَاحٌ، أَعْنِي إذَا كَانَ الْإِنْفَاقُ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ. وَقَدْ نُوزِعَ فِيهِ»
وقال الإمام ابن العربي رحمه الله تعالى: « »وإضَاعَةَ المَالِ » فلعلمائنا في ذلك ثلاثة أقوال
أحدها:أنّ المال هنا أُريدَ به مِلْكُ اليمينِ من العبيد والإماءِ والدَّوابَّ، وسائر الحيوان الَّذي في ملكه، أن يُحْسِن إليهم ولا يُضَيعهم (3).
والقول الثاني:« إضاعة المال »: تركُ إصلاحه والنّظر فيه، وتنميته وكسبه.
والقول الثّالث: « إضاعة المال »: إنفافُه في غير حقّه من الباطل والإسراف والمعاصي.
وهذا القولُ هو الصّوابُ عندي، واللَّهُ أعلمُ»